أقرّ مجلس النواب تعديلات قانون إصلاح المصارف بمعظمها وفق الصيغة الحكومية، وجاءت متوافقة مع توصيات صندوق النقد الدولي، لا سيما فيما يتعلق بإعادة الرسملة وصلاحيات الهيئة المصرفية العليا. وخالفت المادة 23، المتعلقة بمصير الودائع في المصارف قيد التصفية، توصية الصندوق، إذ ينتظر الأخير بلورة موقفه النهائي من هذه الصيغة. ويثير هذا الخلاف تساؤلات حول احتمال تعطّله لموافقة صندوق النقد على القانون، وحول انعكاساته العملية على المودعين.
يُنظر إلى الأزمة اللبنانية، من زاوية النقد الذاتي، على أنها انعكاس لغياب الجدّية في التفاوض. وتعود جذور هذه الأزمة إلى العام 2019، وتشكّل هذه الخطوة الأخيرة حلقة إضافية في سلسلة طويلة من التسويات المنقوصة. ويقتصر الهدف المعلن على الالتزام بالحد الأدنى المطلوب، في وقت يستدعي فيه الواقع الاقتصادي إصلاحات أعمق وأشمل. ولا يُتوقّع أن ينعكس هذا التقصير في تلبية التوصيات إيجاباً على مسار الإصلاح ككل، بل يُرجَّح أن يُبقي الأزمة معلّقة دون معالجة جذرية.
يبقى جوهر المشكلة، فيما يخص المودعين، ذا طبيعة نقدية بالدرجة الأولى. ويتطلّب حل هذه المعضلة معالجة الخلل النقدي أولاً، قبل الانتقال إلى أي خطوة لاحقة. ويُطرح في هذا السياق خياران أساسيان: إنشاء مجلس للنقد يتولى ضبط السياسة النقدية، أو اعتماد سياسة تقوم على التشدد الأقصى في إدارة الكتلة النقدية. وتمهّد معالجة هذا الملف النقدي الطريق أمام الشروع الفعلي في تنفيذ الإصلاحات المطلوبة على مختلف المستويات.
يتّضح مما تقدّم أن إقرار القانون، على أهميته، لا يشكّل نهاية المطاف في مسار الإصلاح المصرفي والمالي، بل يمثّل خطوة أولى تحتاج إلى استكمال عبر معالجة الملف النقدي بشكل جذري. ويُستدل من غياب الحسم في مسألة الودائع أن ثمة تبايناً لا يزال قائماً بين ما تطرحه الحكومة اللبنانية وما يشترطه صندوق النقد الدولي لاستكمال مسار المساعدة المالية. ويبقى مصير المودعين، في ظل هذا الغموض، رهناً بمدى قدرة السلطات على معالجة الأزمة النقدية بشكل شامل، بعيداً عن الحلول الجزئية أو المؤجَّلة، وصولاً إلى إطار إصلاحي متكامل يعيد الثقة إلى القطاع المصرفي ويحمي حقوق المودعين على المدى الطويل.