اقتصاد الكاش يعكس أزمة الثقة… و”مجلس النقد” هو مفتاح استعادتها

يشكل اللجوء إلى اقتصاد الكاش تحديا جوهريا يعيق مسار التعافي المالي في لبنان، ويشدد صندوق النقد الدولي على ضرورة الحد من هذه الظاهرة، معتبرا أن عودة الثقة إلى المصارف وإعادة هيكلة القطاع المصرفي يمثلان عنصرين أساسيين لإعادة الأموال إلى النظام المالي الرسمي.

يعتمد اللبنانيون اليوم بشكل متزايد على التعامل النقدي المباشر، نظرا لفقدانهم الثقة بإمكانية استرجاع أموالهم في حال إيداعها لدى المصارف. ويفضل كثير منهم الاحتفاظ بمدخراتهم بين أيديهم، تجنبا لتكرار أزمة الودائع التي لا تزال تداعياتها قائمة حتى اليوم. فقد أودع المواطنون مدخراتهم في البنوك في السابق، غير أنهم باتوا اليوم عاجزين عن سحبها بحرية.

تحاول الحكومة معالجة هذه الأزمة عبر مسارين أساسيين، يتمثل أولهما في إعادة هيكلة القطاع المصرفي، وهو مشروع قانون لا يزال متعثرا في مجلس النواب، ويتمثل ثانيهما في تحقيق إعادة الانتظام المالي، وهو قانون آخر يثير خلافا واسعا منذ نحو ست سنوات. وتسعى الحكومة، من خلال هذين القانونين، إلى معالجة مشكلة الودائع القائمة حاليا.

تترتب على انتشار اقتصاد الكاش تداعيات سلبية عديدة، إذ يضعف الرقابة المالية، ويصعّب تتبع مصادر الأموال، ويعرقل عملية تحصيل الضرائب بشكل فعال.

تكتسب هذه الإصلاحات أهمية بالغة، غير أنها تبقى غير كافية وحدها لإعادة بناء الثقة بالقطاع المصرفي. فحتى بعد معالجة أوضاع المودعين، سيبقى السؤال قائما حول الضمانات التي تحول دون تكرار الفجوة المالية في المستقبل. ويكمن الضمان الوحيد لذلك في إصلاح إضافي ينبغي أن يُضاف إلى الإصلاحات المالية الجارية حاليا، ويتمثل في إنشاء مجلس للنقد، أو ما يعرف بـ”Currency Board”، وهو مجموعة من القواعد الصارمة التي تقضي بتغطية الليرة اللبنانية باحتياطي دولاري بنسبة مئة بالمئة، بحيث يُمنع استخدام هذا الاحتياطي لتمويل النفقات العامة أو سياسات الدعم أو غيرها من الأوجه.

يوفر اعتماد هذا النظام حماية فعلية لدولارات التغطية، بما يمنع تكرار الفجوة المالية مستقبلا. وبهذا، لا تقتصر الجهود على معالجة أخطاء الماضي فحسب، بل تتحول إلى دروس مستفادة تحول دون الوقوع في الأخطاء ذاتها مجددا. ومن هنا تتجلى أهمية إنشاء مجلس النقد كخطوة استراتيجية لإصلاح النظام المالي اللبناني بشكل مستدام.

اضغط هنا للاستماع الى التقرير كاملًا على اذاعة صوت لبنان