كانت الطبقة الوسطى في لبنان لسنوات طويلة رمزاً للاستقرار والقدرة على تأمين الحاجات الأساسية، من التعليم والسكن إلى الاستشفاء والعيش الكريم. لكن الأزمات الاقتصادية المتتالية، وانهيار القدرة الشرائية، وارتفاع الأسعار، دفعت كثيراً من أفرادها إلى تقليص نفقاتهم أو البحث عن مصادر دخل إضافية. فهل تراجعت الطبقة الوسطى فقط، أم أنها اختفت فعلياً من المجتمع اللبناني؟
الطبقة الوسطى في لبنان اليوم
“الطبقة الوسطى في لبنان اليوم يمكن تعريفها بأنها الأسر أو الأفراد القادرون على تأمين حاجاتهم الأساسية من مأكل وملبس ومشرب، إضافةً إلى متطلبات التعليم لأبنائهم والرعاية الصحية، مع امتلاك قدر ولو بسيط من الادخار”، يؤكّد مدير المعهد اللبناني لدراسات السوق الدكتور باتريك مارديني في حديث خاص لـ Pen Media مضيفاً أنّه “قد تطرأ عليهم أحيانًا عوارض أو ظروف معينة، لكنهم يملكون خطة أو قدرة على التعامل معها. لذلك لا يمكن تحديد هذه الطبقة وفق رقم دخل ثابت؛ فقد يكون لدى شخص دخل أعلى بالدولار، لكنه يدفع إيجاراً مرتفعاً وفواتير باهظة، في حين أن أسرة أخرى قد يكون دخلها أقل، لكنها تملك منزلاً، أو لديها بعض المدخرات التي احتفظت بها جانباً ولم تودعها في المصرف”.
العوامل التي أدّت إلى تراجع الطبقة الوسطى
يؤكّد مارديني أنّ “هناك عوامل كثيرة أدّت إلى تراجع الطبقة الوسطى: أولاً، انهيار سعر صرف الليرة اللبنانية، الذي أدّى خلال فترة الأزمة، ولا سيما بين عامَي 2020 و2023، إلى تراجع حاد في القدرة الشرائية لدى المواطنين الذين يتقاضون رواتبهم بالليرة اللبنانية وإلى تراجع كبير في حجم الطبقة الوسطى، وانتقال عدد كبير من أفرادها إلى صفوف الفقر. وينطبق ذلك خصوصًا على الموظفين والمتقاعدين، إذ لم تعد رواتبهم أو معاشاتهم التقاعدية كافية لتغطية نفقاتهم حتى نهاية الشهر، كما أصبحوا عاجزين عن تأمين تكاليف الأدوية والعلاج والحاجات الأساسية”.
كذلك، لم تتمكن الدولة اللبنانية من معالجة أوضاع موظفي القطاع العام بصورة فعّالة، بسبب تراجع إيراداتها وعجزها عن تأمين الموارد اللازمة لزيادة الرواتب والتعويضات. أما القطاع الخاص، فقد حاول تحسين أجور موظفيه قدر الإمكان، لكنه واجه بدوره أزمات متعدّدة، من بينها الأزمة المصرفية، والركود الاقتصادي، والحروب المتتالية، وكلها عوامل حدّت من قدرته على الإنتاج وتحقيق الإيرادات اللازمة لرفع أجور الموظفين. وبالتالي، يمكن القول إن العامل الأساسي الذي أدّى إلى تراجع الطبقة الوسطى هو انهيار سعر صرف الليرة اللبنانية، وما نتج عنه من انخفاض حاد في القدرة الشرائية وارتفاع كبير في تكاليف المعيشة.
أمّا العامل الثاني، فهو الأزمة المصرفية التي أدّت إلى احتجاز أموال الناس ومدخراتهم في المصارف. فقد كان كثيرون يحتفظون بأموالهم في البنوك تحسّبًا للأيام الصعبة، لكنهم أصبحوا عاجزين عن الوصول إليها، حتى عندما كانت مدّخراتهم بالدولار. كما واجه المودعون صعوبة في سحب أموالهم أو تحويلها إلى الخارج، ما أدّى إلى خسارة كثير من الأسر جزءًا كبيرًا من مدّخراتها أو عجزها عن استخدامها عند الحاجة. وقد عرّض ذلك عددًا كبيرًا من الناس لخطر الفقر، وأسهم في انتقالهم من الطبقة الوسطى إلى صفوف الفئات الأكثر فقرًا، وكانت هذه الأزمة المصرفية عاملًا أساسيًا في ارتفاع معدلات الفقر في لبنان.
أمّا العامل الثالث، فهو الانكماش الاقتصادي الحاد، يعاني لبنان من نمو اقتصادي سلبي، ولا سيما خلال الفترة الممتدة بين عامَي 2020 و2024. وكان السبب الأساسي وراء ذلك الأزمة الاقتصادية التي عصفت بالبلاد، إلى جانب انهيار القطاع المصرفي وعجزه عن تأمين القروض.
وأصبح من الصعب على الأفراد الحصول على قروض سكنية أو قروض لشراء السيارات، كما لم تعد الشركات قادرة على الحصول على التمويل اللازم لتسيير أعمالها، أو الاستثمار، أو زيادة الإنتاج، أو توظيف مزيد من العاملين، أو توسيع نشاطها، وأدّى ذلك إلى إغلاق عدد كبير من الشركات وخسارة أعداد كبيرة من الوظائف، ما جعل كثيرًا من الأشخاص الذين كانوا يعملون سابقًا يفقدون وظائفهم وينتقلون من الطبقة الوسطى إلى الفقر.
وتزامن ذلك مع موجة هجرة واسعة، إذ غادر البلاد كثير من الأشخاص الذين لم يعودوا يجدون فرص عمل في لبنان. وقد أسهمت هذه الهجرة، بدورها، في تفاقم الركود الاقتصادي.
كما أدّت الحروب المتتالية، ولا سيما الحرب الإسرائيلية على غزة، ثم الحرب الإسرائيلية على إيران، إلى زيادة الضغوط على الاقتصاد اللبناني. فحتى عندما ظهرت إمكانية لبدء تعافي الاقتصاد واستعادة بعض النشاط السياحي، حالت الأوضاع الأمنية دون ذلك. وأصبح الناس يخشون إغلاق المطارات أو تعذّر السفر، كما توقّف الإنتاج في مناطق واسعة من الجنوب، واضطرّ كثير من السكان إلى مغادرة منازلهم.
ونتيجة لذلك، تعطّلت الحركة الاقتصادية في الجنوب، وضعفت في مناطق أخرى، وظهرت أزمات إضافية، من بينها النزوح والدمار وتعطّل الأعمال. وقد أسهمت هذه العوامل مجتمعةً في تعميق الركود الاقتصادي وتسريع تراجع الطبقة الوسطى في لبنان.
السياسات المطلوبة لإعادة بناء الطبقة الوسطى
“من الممكن إعادة بناء الطبقة الوسطى في لبنان، لكن ذلك يتطلب تنفيذ مجموعة من السياسات والإجراءات الأساسية”، يؤكّد مارديني، ملفتاً إلى أنّه “يجب معالجة الأزمة المصرفية من خلال إقرار قانون واضح لتوزيع الخسائر ومعالجة مشكلة الودائع، بما يتيح إعادة تفعيل القطاع المصرفي واستعادة قدرته على منح القروض. فمن الضروري أن يتمكن الأفراد من الحصول على قروض لشراء المنازل، وأن تتمكن الشركات من الاقتراض لتسيير أعمالها والاستثمار وزيادة الإنتاج وتوظيف العمال”، يشدّد مارديني ملفتاً إلى أنّ “القطاع الإنتاجي يحتاج إلى تمويل لشراء المواد الأولية، ثم إنتاج السلع وبيعها، وتسديد القروض من العائدات المتحققة. أما إذا لم تتمكن الشركات من الحصول على رأس المال التشغيلي، فإن الاقتصاد يتعطل بشكل كبير”.
“وينطبق الأمر نفسه على الشركات التي تحتاج إلى القروض لتوسيع أعمالها أو افتتاح فروع جديدة، كما أن الاستيراد والتصدير يعتمدان بدرجة كبيرة على التمويل المصرفي. فالمستورد يحتاج إلى قرض لشراء السلع من الخارج وبيعها في السوق المحلية، ثم تسديد القرض بعد تحصيل ثمن مبيعاته. لذلك، فإن إعادة تفعيل القطاع المصرفي تُعدّ خطوة ضرورية لإعادة تنشيط الاقتصاد. وعندما تبدأ الشركات بالعمل مجددًا، ستتمكن من توظيف مزيد من العاملين ودفع أجور أفضل، الأمر الذي يسهم في إعادة بناء الطبقة الوسطى”.
كما يشدّد مارديني على أنّ “يجب استعادة الثقة بالدولة وبالليرة اللبنانية، ويمكن تحقيق ذلك من خلال إنشاء مجلس نقدي أو اعتماد نظام يضمن استقرار سعر الصرف، فاستعادة الثقة تتطلب أن يشعر الناس بأن النظام المالي أصبح أكثر أمانًا، وأن أموالهم لن تتعرض للمصير نفسه مستقبلًا”.
ويشرح مارديني أنّه “يجب تفكيك الاحتكارات العامة وفتح القطاعات الأساسية أمام المنافسة. فهناك احتكارات في قطاعات الكهرباء والاتصالات والطيران، تؤدي إلى ارتفاع الأسعار وتراجع مستوى الخدمات.
في قطاع الكهرباء، يؤدّي الاحتكار إلى ارتفاع كلفة الطاقة وعدم انتظامها. والكهرباء تدخل في جميع القطاعات الإنتاجية تقريبًا؛ فالصناعة تحتاج إلى الكهرباء والاتصالات، والزراعة تحتاج إلى الري والتبريد والتخزين، كما تعتمد مختلف الشركات على الطاقة لتسيير أعمالها. لذلك، فإن فتح قطاع الكهرباء أمام المنافسة وتحسين الخدمة وخفض كلفتها من شأنه أن يخفّض كلفة الإنتاج وينشّط مختلف القطاعات الاقتصادية.
وينطبق الأمر نفسه على قطاع الاتصالات. فإذا تحسّنت خدمات الاتصالات والإنترنت، فقد يتمكن عدد كبير من المهندسين والمتخصصين في التكنولوجيا من تأسيس شركاتهم داخل لبنان، بدلًا من مغادرة البلاد بحثًا عن فرص عمل. فلبنان يملك الكثير من الكفاءات والعقول، لكنه يحتاج إلى بنية تحتية مناسبة تتيح لها العمل والإنتاج.
أما في قطاع الطيران، فإن الاحتكار يؤدي إلى ارتفاع كلفة السفر من لبنان وإليه، ما يدفع المسافرين إلى اختيار وجهات أخرى، مثل تركيا أو مصر أو الأردن، حيث تكون كلفة السفر أقل. وقد يسافر الشخص إلى دولة أخرى، وينفق فيها على الفندق والطعام والخدمات، بدلًا من إنفاق أمواله داخل لبنان.
لذلك، فإن تفكيك احتكار الطيران يمكن أن يخفّض كلفة السفر، ويحسّن مستوى الخدمة، وينشّط القطاع السياحي. وبصورة عامة، فإن تفكيك الاحتكارات في القطاعات الأساسية من شأنه أن يخفض الكلفة ويحسّن نوعية الخدمات، ما يساعد على تنشيط الاقتصاد وإعادة بناء طبقة وسطى قادرة على تحقيق دخل مستقر والإنفاق والادخار.
ويختم مارديني حديثه بالقول أنّ “الإصلاحات الضرورية لإعادة بناء الطبقة الوسطى هو الإصلاح المالي والضريبي، ويتطلب ذلك إعادة هيكلة القطاع العام، بما في ذلك خفض عدد الموظفين غير المنتجين. فهناك عدد كبير من العاملين في القطاع العام، لكن جزءًا منهم لا يؤدي عملًا فعليًا، بينما يتحمل الموظفون المنتجون أعباء العمل الأساسية. وقد نجد، في بعض الإدارات، موظفَين أو ثلاثة ينجزون معظم المهام، في حين أن آخرين لا يؤدون أي عمل يُذكر”، موضّحاً أنّه “يرتبط وجود جزء من هؤلاء الموظفين بالمحسوبيات والفساد والواسطة، إضافةً إلى الاعتبارات الانتخابية والسياسية والحزبية. لذلك، ينبغي معالجة هذه المشكلة بصورة جدية، وإعادة توجيه الموظفين القادرين على العمل إلى القطاع الخاص أو إلى وظائف منتجة أخرى. وبالتالي، فإن إعادة هيكلة القطاع العام، وخفض عدد الموظفين غير المنتجين، وإجراء إصلاح مالي وضريبي شامل، تمثّل مدخلًا أساسيًا لإعادة بناء الطبقة الوسطى في لبنان.
