يُظهر التضخم في لبنان انقساماً واضحاً بين شقين متمايزين: شق ظرفي ناتج عن الارتفاع العالمي للأسعار، وشق بنيوي متجذر في غياب الإصلاحات الاقتصادية. تصاعدت أسعار المحروقات عالمياً منذ بداية العام حتى اليوم بنسب كبيرة، إذ ارتفعت صفيحة البنزين بنحو 116%، فيما زاد سعر الديزل بحوالى 126%. يعتمد لبنان بشكل كبير على الديزل لتأمين الكهرباء عبر المولدات الخاصة، ما رفع كلفة الاشتراك فيها إلى نحو دولار واحد لكل كيلوواط ساعة، مقارنة بمعدل عالمي لا يتجاوز 12 سنتاً في الدول المنتجة للكهرباء. ارتفعت أيضاً كلفة التنقل على المواطنين نظراً لغياب بدائل عن استخدام السيارة الخاصة.
يتصل الشق الثاني من التضخم بطبيعة الاقتصاد اللبناني البنيوية، ويُعَدّ الأخطر بحسب المتحدث، إذ زادت الدولة الرسوم على صفيحة البنزين بما يقارب 3.5 دولارات في شهر شباط وحده، ترافق ذلك مع ارتفاع الأسعار بنسبة تجاوزت 6%. سجّلت الموازنات المتعاقبة منذ عام 2023 زيادة في إيراداتها بأكثر من 100%، تُموَّل أساساً من الضرائب غير المباشرة المفروضة على الاستهلاك، ما فاقم الأعباء على المواطنين والمؤسسات معاً.
يتحمّل المستهلكون العبء الأكبر من هذا التضخم، رغم تراجع حجم استهلاك الشركات نتيجة انخفاض القدرة الشرائية. يبلغ متوسط الأجور في القطاعين العام والخاص نحو 700 دولار شهرياً، في حين لا تقل كلفة المعيشة للأسرة الواحدة عن 1200 دولار، ما يضع نحو 900 ألف شخص في مواجهة أزمة حقيقية في الوصول إلى الغذاء، بحسب التقرير الفصلي للأمن الغذائي في لبنان.
تستوجب خطة الإصلاح الاقتصادي العاجل الانطلاق من الداخل اللبناني عبر إصلاح القطاع العام، وتخفيض أعداد الموظفين الذين يشكلون نحو 30% من القوى العاملة مقارنة بمعدل عالمي لا يتجاوز النصف، إضافة إلى فتح القطاعات الاحتكارية كالكهرباء والاتصالات والمياه أمام المنافسة. تراجعت السياحة، وهي من الموارد الأساسية للاقتصاد اللبناني، إذ انخفض دخلها من نحو 11 مليار دولار في سنوات الذروة إلى أقل من أربعة مليارات دولار هذا العام، فيما تعاني القطاعات الإنتاجية والتصديرية من تراجع مماثل نتيجة الأوضاع المحلية والإقليمية.