ملخص حول إطلاق المنافسة وخصخصة القطاع العام الصناعي للخروج من النظام الموجه في سوريا

القطاع

يعاني القطاع العام الصناعي في سوريا من ضعف أداء بنيوي عميق يتجلى في تدني الإنتاجية وتحقيق أرباح شكلية لا تعكس الكلفة الحقيقية للاستثمار. فالعائد على الاستثمارات لم يتجاوز واحدًا في المئة، أي أن المنشأة تحتاج إلى قرن كامل لاسترداد كلفة الاستثمار رغم أن الموجودات تُستهلك بالكامل خلال فترة لا تتعدى نصف هذا الزمن. وتُظهر بيانات القطاع العام الصناعي اختلالات كبيرة في العمليات التشغيلية وهدرًا في الموارد وتضخمًا في العمالة يقابله نقص واضح في الحوافز والتمويل، ما كرّس مستوى إنتاجية منخفضًا لعقودولم تكن هذه المشكلات عوارض طارئة، بل نقاط ضعف هيكلية فاقمها الصراع بشكل غير مسبوق. فقد التهم “اقتصاد الحرب” قاعدة إنتاجية كانت هشّة أصلًا وألحق دمارًا واسعًا بالمنشآت، ما أدى إلى خروج 44 شركة صناعية عامة من أصل 101 عن الخدمة. وقد ترافقت هذه الأضرار مع تدهور البنية التحتية الصناعية وانقطاع سلاسل الإمداد وندرة المواد الأولية، ما جعل إعادة التشغيل والتحديث مهمة شديدة التعقيد. ونتيجة لذلك، انخفض الإنتاج الفعلي في العام 2024 بأكثر من ثمانين في المئة لمعظم المنتجات مقارنة بمستويات العام 2010، وهو تراجع يكشف حجم الانهيار الذي أصاب القطاع. 

غير أن جذور الأزمة أعمق من آثار الحرب؛ فالإرث الثقيل للاقتصاد الموجّه والتخطيط المركزي أفرز بنية بيروقراطية خانقة وإجراءات تشغيلية جامدة وتضخمًا ماليًا مزمنًا، لكن المشكلة الجوهرية تكمن في موقع الدولة نفسها. فمن غير الطبيعي أن تدير الحكومة مصانع وصناعات تجارية تعتمد بطبيعتها على المنافسة والابتكار والاستجابة السريعة للسوق. إذ لا تمتلك الدولة الحوافز التي تدفع منشآت القطاع الخاص نحو الكفاءة، ولا المرونة التشغيلية التي تتيح التكيف مع التكنولوجيا وتبدلات الطلب، ولا آليات المساءلة التي تفرضها المنافسة، ولا البيئة التي تشجع الابتكار. ولهذا كلِّه، فغالبًا ما تفشل الحكومات في إدارة المصانع، وهي ظاهرة لا تقتصر على سوريا بل تشمل كل الدول التي تبنّت النموذج نفسه. 

وقد برهنت التجربة السورية على هذه الحقيقة بجلاء؛ فكل محاولات إصلاح القطاع العام الصناعي في الأعوام 2007 و2017 و2019 آلت إلى النتائج الصفرية ذاتها، إذ ظلت المعالجات شكلية دون المساس بجوهر المشكلة المتمثل في “ملكية الدولة للمصانع واحتكار الأسواق”. وقد استمرت التدخلات البيروقراطية وبقيت الهياكل الوظيفية المترهلة على حالها لتغدو هذه المبادرات اجترارًا عقيمًا لنهج أثبت فشله مرارًا. 

من هنا، تبدو الحاجة ملحّة للانتقال من منطق “الدولة المصنع” إلى منطق “دولة القانون ”. فدور الحكومة ليس إدارة خطوط الإنتاج، بل توفير البيئة المناسبة التي تسمح للصناعات الخاصة بالنمو وتوليد القيمة عبر التشريع السليم وضمان المنافسة وتثبيت الاستقرار وتأمين البنية التحتية وحماية حقوق الملكية. ويبقى القطاع الخاصّ وحده هو القادر على ضخ الاستثمارات ورفع الإنتاجية وتحسين الجودة وخفض الأسعار وإدخال الابتكار وخلق فرص العمل الفعلية، وهي مهام لا يمكن لمؤسسات متخمة بالبيروقراطية أن تضطلع بها. 

وتقترح هذه الورقة خارطة طريق شاملة لفتح القطاع العام الصناعي على المنافسة وخصخصته بوصفه خيارًا اقتصاديًا ضروريًا لا مجرد عملية فنية. ويسمح هذا التحول نحو اقتصاد السوق الحرّ بجذب الاستثمارات وتخفيف العبء المالي عن الدولة وتحسين الأداء الصناعي وإعادة بناء القاعدة الإنتاجية المدمَّرةكما يفتح الباب أمام تحسين نوعية المنتجات وتنوعها وانخفاض أسعارها وزيادة الإنتاجية وتحفيز الابتكار. ويُعد هذا التحول خطوة أساسية في إعادة هيكلة الاقتصاد السوري على أسس أكثر استدامة وأكثر قدرة على التعافي والنمو. 

وترتكز خارطة الطريق على: (1) خصخصة المؤسسات الصناعية المملوكة للدولة التي تواجه منافسة محلية (2) فتح القطاعات الخاضعة للاحتكار أمام المنافسة قبل الشروع في الخصخصة (3) إغلاق الشركات غير القابلة للاستمرار. وتشدد الورقة على أهمية وجود قواعد واضحة وشفافة لعمليات الخصخصة، ما يضمن للمستثمرين بيئة يمكن التنبؤ بها تخضع للحوكمة السليمة. فالمنافسة العادلة لا تُعد مجرد عنصر مكمل، بل هي شرط أساسي لنجاح الخصخصة وتحقيق أهدافها التنموية وتجنب تكرار تجارب الخصخصة في بيئات احتكارية طاردة للاستثمار لا تؤدي إلا إلى تعميق الأزمات القائمة. 

رشا سيروب – باحثة في مبادرة سراج – المعهد اللبناني لدراسات السوق

حمل الملف لقراءة الملخص التنفيذي