يمكن تلخيص جوهر أزمة الكهرباء بثلاث كلمات أساسية: سوء الإدارة، والفساد، والجهل. فقد يتولى بعض المسؤولين إدارة القطاع بنزاهة شخصية، لكن غياب الخبرة والمعرفة الكافية يحول دون إيجاد معالجات فعلية للمشكلة، فيما يبقى الفساد العامل الأعمق والأكثر رسوخاً في تردي الوضع.
تعود جذور الأزمة إلى مرحلة ما بعد الحرب الأهلية، حين ارتبط قطاع الكهرباء بتجارة المحروقات والانتفاع منها، وهو ما ساهم في أواخر الثمانينيات بانهيار الليرة اللبنانية. وشهد القطاع لاحقاً، في أواخر التسعينيات، نهضة ملحوظة تمثلت بإضافة معملين جديدين وتعديل التعرفة وتأمين نحو عشرين ساعة تغذية في مناطق عدة، إلا أن هذه النهضة لم تُستكمل بإنشاء هيئة ناظمة للقطاع، إذ غلبت مغريات تجارة المحروقات على الإصلاح المؤسساتي. كذلك تجدر الإشارة إلى تجربة استيراد الغاز من مصر، التي نجحت لأحد عشر شهراً وحققت وفراً مالياً بلغ نحو 250 مليون دولار، قبل أن تتوقف بسبب تعثر السداد.
وتُعزى الخسائر المالية الحالية، التي تصل إلى نحو 55% من الطاقة المنتجة، إلى الهدر على الشبكات وخطوط النقل المتهالكة، إضافة إلى السرقة خارج نطاق العدادات، وهو ما يعكس عجز المؤسسة عن ضبط شبكاتها.
أما بالنسبة إلى الحلول، فتقتضي الخطوة الأولى الخروج من الأطر التفكيرية القديمة، والتوجه نحو لامركزية الإنتاج والتوزيع، على غرار تجربة امتياز زحلة وجبيل وعاليه، حيث يتولى القطاع الخاص، بالتعاون مع البلديات، إنتاج الطاقة الشمسية محلياً خلال النهار، فيما تتفرغ كهرباء لبنان لتزويد المدن الكبرى والمؤسسات الرسمية والمصرفية خلال أوقات الدوام. ويمكن أن تشكل هذه المقاربة أيضاً مدخلاً لدمج أصحاب المولدات الخاصة كشركاء في قطاع الكهرباء بدل بقائهم خارجه.
وتستوجب معالجة الأزمة أيضاً وقف تجديد العقود المكلفة مع الشركات الأجنبية العاملة منذ سنوات طويلة بأسعار مرتفعة، والعودة إلى الرشد في إدارة الإنفاق العام المخصص للقطاع.