اعتُبر الذهب على مر العقود ملاذاً آمناً في أوقات الأزمات، ويبدو اليوم أنه يقف أمام مرحلة جديدة من الارتفاع المتسارع. توقع بنك يو بي إس أن يصل سعر أونصة الذهب إلى خمسة آلاف دولار خلال النصف الأول من عام 2027، في وقت لا يزال فيه المعدن الأصفر يتحرك عند مستويات تاريخية غير مسبوقة. تدفع هذه الطفرة مجموعة من العوامل المتشابكة، أبرزها التوترات الجيوسياسية المتصاعدة، وحالة عدم اليقين الاقتصادي العالمي، وارتفاع الطلب من المستثمرين الأفراد والبنوك المركزية على حد سواء.
بدأت أسعار الذهب مسارها التصاعدي في عام 2024، واستمر هذا الارتفاع وتراكم تدريجياً خلال عام 2025. وبلغت الأسعار ذروتها في ذروة الخلاف حول مضيق هرمز والأوضاع الأمنية المرتبطة به، إذ وصلت الأونصة إلى نحو خمسة آلاف ومئتين وثلاثين دولاراً، قبل أن تتراجع إثر التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار. غير أن الارتفاع عاود الظهور من جديد مع تجدد التوتر وتزايد الأنباء عن احتمال نشوب نزاع عسكري جديد، لتسجل الأسعار حالياً مستوى يقارب أربعة آلاف وثلاثمئة دولار.
يملك لبنان نحو مئتين وستة وثمانين طناً من الذهب، أي ما يعادل أكثر من تسعة ملايين أونصة، الأمر الذي يرفع القيمة السوقية لهذا الاحتياطي بشكل كبير مع كل ارتفاع في الأسعار العالمية. وينعكس هذا الصعود على المواطنين بطريقتين متناقضتين: يزداد الذهب جاذبية بوصفه وسيلة لحفظ القيمة من جهة، بينما ترتفع كلفة شراء المجوهرات والذهب المصنّع من جهة أخرى.
شهد لبنان تحديداً طلباً متزايداً على الذهب انعكس ارتفاعاً قياسياً في العمولة، إذ سجّلت أرقام تجاوزت سعر الشاشة العالمي بمئتين وخمسين دولاراً وأكثر على الأونصة الواحدة. نتج هذا الارتفاع عن تزايد الطلب على الأونصات المادية، في ظل عدم توفر كميات كافية في السوق المحلية لتلبية هذا الطلب، ما دفع العمولات إلى الارتفاع بشكل ملحوظ.
يبقى الذهب ملاذاً آمناً بامتياز، إلا أن له اليوم نظيراً بات يجذب فئة متنامية من المستثمرين، وهو عملة البيتكوين، التي تتميز بسهولة نقلها خلال فترات الاضطراب المالي، كونها عملة رقمية لا تخضع للقيود اللوجستية ذاتها التي يخضع لها المعدن النفيس.