صوّت مجلس النواب اللبناني في تموز 2026 على فتح اعتمادات بقيمة 600 مليون دولار أميركي، بهدف منح موظفي القطاع العام والمتقاعدين ست رواتب إضافية، على أن يُطبَّق هذا القرار بمفعول رجعي اعتبارًا من الأول من آذار. وأدى التفاوت بين القرارات التي أُقرّت والتمويل الذي لم يُؤمَّن بعد إلى نشوء فجوة مالية تقارب 800 مليون دولار في موازنة الدولة. وبعد مرور أسبوعين على إقرار زيادة الرواتب، لا تزال وزارة المالية تدرس السبل الكفيلة بتغطية كلفتها، وسط ترجيحات متزايدة بلجوء الحكومة إلى إجراءات ضريبية جديدة.
ويُشكك خبراء اقتصاديون في جدوى الاعتماد على رفع الضرائب على قطاع الأعمال بوصفه حلاً كافيًا لسد هذه الفجوة، معتبرين أن هذا التفاؤل غير دقيق. ويوضحون أن رفع الضرائب سيؤدي حكمًا إلى زيادة كلفة النشاط الاقتصادي، ما سينعكس تراجعًا في الاستهلاك، وبالتالي انخفاضًا في العائدات الضريبية المتوقعة أصلاً من هذا الإجراء.
وتبرز، والحال هذه، إشكالية جوهرية تتعلق بمصادر التمويل المتاحة أمام الدولة اللبنانية. فلا تملك الحكومة، في ظل إغلاق باب الاستدانة، أي خيار سوى رفع الضرائب على المواطنين اللبنانيين، إذ لم تعد هناك جهات مانحة أو منظمات دولية أو صناديق تمويل مستعدة لإقراضها. وفي الوقت نفسه، يُستبعد اللجوء إلى الطباعة النقدية بوصفها بديلاً، كون هذا الخيار سيؤدي إلى انهيار جديد في سعر صرف الليرة.
ويحذّر المتابعون من أن رفع الضرائب سيرفع بدوره كلفة الإنتاج والمعيشة في البلاد، في وقت تقوم فيه الدولة، من جهة، بمنح الموظفين رواتب إضافية من المال العام، وتسحب من جهة أخرى أموالاً إضافية من الجيب نفسه عبر الضرائب. ويُوصف هذا النهج بأنه يضرب في الوقت ذاته القطاع الخاص الذي يعاني أصلاً من نزيف مستمر، ما يهدد بتعميق الأزمة الاقتصادية بدلاً من معالجتها، ويضع الاقتصاد اللبناني أمام حلقة مفرغة من إعادة توزيع العبء المالي داخليًا عبر الضرائب، من دون معالجة جذور العجز المالي المزمن الذي تعاني منه الخزينة العامة.
وتشير هذه المعطيات مجتمعة إلى أن السياسة المالية الراهنة تفتقر إلى رؤية متكاملة توازن بين الحاجة إلى تحسين أوضاع الموظفين وضرورة الحفاظ على استقرار القطاع الخاص والاقتصاد الوطني عمومًا.