دخلت مؤسسات الدولة في لبنان مرحلة جديدة من أزمة الكهرباء، بعدما وجهت مؤسسة كهرباء لبنان إنذاراً إلى الإدارات العامة ومصالح المياه بسبب عدم تسديد الفواتير والمتأخرات، ومنحتها مهلة خمسة أيام قبل اتخاذ قرار قطع التيار الكهربائي.
ويعيد هذا الإنذار طرح سؤال غير معتاد في لبنان: هل تصل الأزمة إلى حد انقطاع الكهرباء عن الإدارات والمؤسسات الرسمية نفسها، بعدما اعتادت مؤسسة كهرباء لبنان قطع التيار عن المشتركين المتخلفين عن الدفع؟
5 أيام قبل قطع الكهرباء
كانت مؤسسة كهرباء لبنان قد أعلنت في 14 آب 2023 أن الإدارات العامة ومصالح المياه ملزمة بتسديد فواتيرها، وأن عدم الدفع قد يؤدي إلى قطع التيار الكهربائي وفق الإجراءات المعتمدة.
وفي الأيام الأخيرة، برز تحذير جديد من مؤسسة كهرباء لبنان للإدارات العامة، مع تحديد مهلة خمسة أيام لتسديد المستحقات والمتأخرات، على أن يبدأ تنفيذ القطع اعتباراً من 17 آب.
ويضع هذا القرار المؤسسات الرسمية أمام اختبار غير مسبوق، خصوصاً أن قطع الكهرباء عنها قد ينعكس على سير العمل في عدد من المرافق والخدمات العامة.
هل تملك كهرباء لبنان حق القطع؟
بحسب رئيس المعهد اللبناني لدراسات السوق الدكتور باتريك مارديني، فإن المؤسسة تتمتع بصلاحية قطع التيار، لكن هذه الصلاحية ليست مطلقة، بل ترتبط بوجود فواتير ومستحقات فعلية، وحلول موعد الاستحقاق، والتخلف عن الدفع، إضافة إلى توجيه إنذار ومنح مهلة للتسديد وفق الأصول والأنظمة والقرارات المعمول بها.
وبحسب هذا الطرح، فإن كهرباء لبنان اتبعت الإجراءات المطلوبة قبل التوجه إلى قطع التيار عن الجهات المتخلفة عن السداد.
أزمة الكهرباء تبدأ من الجباية
ويرى مارديني أن المشكلة الأساسية في قطاع الكهرباء ترتبط بالجباية، موضحاً أن عدم توفر الأموال اللازمة لشراء الفيول يؤثر مباشرة في قدرة المؤسسة على تأمين الكهرباء، فيما تشكل الفواتير المسددة أحد مصادر التمويل الأساسية.
وأشار إلى أن مشكلة عدم تسديد المستحقات لا تقتصر على الإدارات العامة، بل تشمل مناطق ومشتركين مختلفين، معتبراً أن بدء المؤسسة بتحصيل مستحقاتها من الجهات العامة يمثل خطوة مهمة في اتجاه معالجة الخلل.
ويطرح هذا الواقع معادلة واضحة تقوم على أن الحصول على الخدمة يجب أن يقابله تسديد بدلها، وهو ما يجعل إجراءات كهرباء لبنان في مواجهة المتخلفين عن الدفع جزءاً من مسار إصلاحي أوسع.
لماذا بدأت المؤسسة بالإدارات العامة؟
يعتبر مارديني أن إعطاء الأولوية للإدارات والمؤسسات العامة في تحصيل المستحقات يبعث برسالة واضحة إلى جميع المشتركين، ومفادها أن الالتزام بتسديد الفواتير يجب أن يكون شاملاً ولا يستثني أي جهة.
ويشير إلى أن عدم تطبيق إجراءات التحصيل على المتخلفين عن الدفع قد يشجع على استمرار المخالفات، بينما يفترض أن تكون القاعدة هي تسديد المستحقات مقابل استمرار الحصول على الخدمة.
وفي هذا السياق، يرى أن كهرباء لبنان تتجه إلى تطبيق قواعد أكثر وضوحاً في الإدارة والحوكمة والمحاسبة.
الحوكمة في مؤسسة كهرباء لبنان
وبحسب مارديني، أقر مجلس إدارة المؤسسة خطوات مرتبطة بالحوكمة والشفافية والمحاسبة، رغم وجود عوائق ومحاولات لعرقلة بعض الإجراءات.
ويعتبر أن الإجراءات الأخيرة تعكس محاولة لإدارة كهرباء لبنان وفق قواعد أكثر انتظاماً، تقوم على ربط تقديم الخدمة بتسديد المستحقات، بعدما كان عدم التحصيل أحد أبرز المشكلات التي أثرت في القطاع لسنوات طويلة.
هل نحن أمام صيف بلا عتمة شاملة؟
ويشير مارديني إلى أن هذا الصيف يمثل، بحسب تقييمه، مرحلة مختلفة عن السنوات السابقة، معتبراً أنه أول صيف منذ عام 2019 لا يشهد عتمة شاملة بالوتيرة نفسها التي عرفها لبنان سابقاً.
ويربط ذلك بالحاجة إلى تأمين الإيرادات اللازمة لتمويل شراء الفيول واستمرار تشغيل معامل إنتاج الكهرباء، بدلاً من الاعتماد على مصادر تمويل استثنائية.
وفي حال تنفيذ قرار القطع، فإن الأنظار ستتجه إلى مدى التزام الإدارات العامة بتسديد مستحقاتها خلال المهلة المحددة، وما إذا كانت كهرباء لبنان ستنتقل فعلاً إلى تنفيذ الإنذارات وقطع التيار عن الجهات المتخلفة عن الدفع.
