يواجه الطالب الذي يلتحق بالسنة الجامعية الأولى في بيروت تحديًا ماليًا حقيقيًا ينبغي أن يستعد له منذ اللحظة الأولى. يتجاوز السؤال المطروح حدود الكلفة المباشرة للجامعة، ليطرح إشكالية أعمق تتعلق بقدرة الأسرة اللبنانية على تحمّل هذا العبء المالي المتراكم في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة. فكلفة الجامعة تتخطى الأقساط وتشمل كلفة الايجارات في مساكن الطلاب وكلفة النقل واللتان تُعتبران مرتفعتين نسبةً للمدخول الفردي فكلفة النقل قد تصل 15$ يوميًا وسعر الايجارات يرتفع كلما اقترب من الجامعة.
يكمن الحل الأساسي في تحرير قطاع النقل المشترك وإعادة هيكلته بشكل جذري، بحيث تتوافر وسائل نقل كافية وموثوقة قادرة على تأمين تنقّل الطلاب من وإلى الجامعات، إضافة إلى تسهيل تنقّل العاملين من وإلى أماكن عملهم. يحقق هذا التحول فوائد تتجاوز بكثير مجرد نقل الطلاب إلى مؤسساتهم التعليمية وعودتهم إلى ذويهم، إذ يمتد أثره الإيجابي ليشمل مستقبل هؤلاء الطلاب أنفسهم حين يلتحقون لاحقًا بسوق العمل، فيتمكنون من التنقل بسهولة ويسر من وإلى أماكن عملهم دون أن يشكل النقل عائقًا أمامهم.
يساهم إنشاء منظومة نقل مشترك فعالة، في الوقت ذاته، في تحقيق بيئة أنظف وأقل تلوثًا، بما يخدم الصحة العامة والاستدامة البيئية على المدى الطويل. وتجدر الإشارة إلى ضرورة تجاوز الاعتماد على وسائل النقل غير الرسمية، كالباصات المتفرقة التي يبذل القيّمون عليها جهدًا يستحق التقدير، لكنها تبقى غير كافية لتلبية الحاجة الفعلية لقطاع نقل منظم ومستدام.
يتطلب تحقيق هذا الهدف تنمية قطاعي النقل والسكن بشكل متكامل ومتزامن، إذ يرتبط تطور أحدهما بالآخر ارتباطًا وثيقًا. ويفتح توفر نقل مرن وفعال الباب أمام إمكانية نشوء مدن جديدة في مختلف المناطق اللبنانية، بعيدًا عن التمركز الحالي في العاصمة ومحيطها. ويؤدي هذا التوسع العمراني المدروس، المدعوم بشبكة نقل متطورة، إلى خفض كلفة المعيشة بشكل ملموس على جميع اللبنانيين، بمن فيهم الطلاب الذين يشكلون شريحة واسعة من المتضررين من الوضع الحالي.
تنبع أهمية هذا التوجه من كونه يعالج المشكلة من جذورها بدلًا من الاكتفاء بحلول ترقيعية مؤقتة، إذ يضع الأسس لبنية تحتية مستدامة تخدم الاقتصاد الوطني وتخفف الأعباء المعيشية عن الأسر اللبنانية على اختلاف مستوياتها الاجتماعية والاقتصادية.