تتفاوت التقديرات الرسمية لمعدل التضخم في لبنان بين ما تسجله إدارة الإحصاء المركزي، والذي يقارب 15.7%، وما يرصده البنك الدولي، والذي يصل إلى نحو 17.5%. ويعني ارتفاع الأسعار على هذا النحو أن المواطن يدفع أكثر مقابل السلعة ذاتها، سواء في السوبر ماركت أو عند تعبئة البنزين أو عند سداد فاتورة الكهرباء والمولدات الخاصة. ويعود هذا الارتفاع، الذي تراوح بين 15% و17% مقارنة بالعام الماضي، إلى الحرب الدائرة في مضيق هرمز، بوصفها عاملاً رفع كلفة النقل البحري والتأمين على الشحنات، نظراً لاعتماد لبنان الكبير على استيراد موارده الأساسية. وينعكس ارتفاع أسعار النفط العالمي على كافة القطاعات، بما فيها الصناعة والزراعة، كون النفط يشكل العصب الأساسي للإنتاج. وتترجم هذه الديناميكية بانخفاض فعلي في القدرة الشرائية، إذ لم تعد المئة دولار تشتري اليوم سوى ما يعادل 83 إلى 87 دولاراً من العام السابق.
ويواجه الاقتصاد في لبنان نوعين من العجز: عجز الميزان التجاري، الناتج عن الفارق بين الصادرات، التي تقارب ملياري دولار ونصف المليار، والواردات التي تبلغ نحو 19 مليار دولار؛ وعجز الموازنة العامة، الناتج عن تجاوز إنفاق الدولة لمداخيلها الضريبية. إن العجز التجاري لا يشكل مصدر قلق كبير طالما يموَّل من القطاع الخاص عبر التحويلات والسياحة والاستثمارات، على غرار ما تفعله اقتصادات منفتحة كهونغ كونغ ولندن. أما العجز في الموازنة العامة، فيُعدّ الخطر الحقيقي، إذ يدفع الدولة إما إلى طباعة العملة، وبالتالي انهيار سعر الصرف، أو إلى سحب أموال المودعين من المصرف المركزي.
ويتسبب تضخم القطاع العام، المثقل بموظفين لا ينتجون، في استنزاف الموارد العامة، مما يستدعي ترشيق هذا القطاع وتوجيه الوفورات نحو الموظفين المنتجين فعلياً. أمّا الطريقة التي وُظفت فيها ودائع المصارف لدى المصرف المركزي في تمويل النفقات العامة وفي محاولات تثبيت سعر صرف الليرة، أدت في النهاية إلى الفجوة المالية الكبرى. وبالطبع الانهيار المالي لا يمكن وصفه مؤامرة دولية، إذ يُعتبر الفساد وتضخم النفقات العامة، عبر صفقات مشبوهة في قطاعات المحروقات والبواخر والتوظيف العشوائي، السبب الأساسي، مع تحميل الدولة، بمختلف مكوناتها الطائفية والسياسية، المسؤولية الأكبر.
اضافة الى ذلك إن عدم الاستقرار الأمني الناتج عن الحروب الأخيرة ألحق أضراراً بالغة بقطاع السياحة، الذي يشكل مصدراً أساسياً للعملة الصعبة، إذ أدت الحرب في لبنان والمنطقة إلى إلغاء واسع للحجوزات السياحية وتحوّل الوجهات نحو دول منافسة كتركيا ومصر واليونان وإسبانيا. وتكبدت المناطق الجنوبية على وجه الخصوص خسائر مضاعفة، شملت تدمير الأصول المادية من منازل ومحال تجارية وبساتين، إلى جانب توقف كامل عن العمل وموجات نزوح مكلفة، لتصبح الكلفة الاقتصادية للحرب في تلك المناطق أعلى بكثير مما تحمّلته بقية المناطق اللبنانية.
اضغط هنا لمشاهدة المقابلة على اذاعة Lebanese Dream News Agency