يُثير إعلان وقف إطلاق النار في لبنان تساؤلات جوهرية حول انعكاساته على القطاعات الحيوية، ولا سيما قطاع الكهرباء والمياه، فضلاً عن مستقبل الأسعار في ظل المتغيرات الاقتصادية الراهنة.
يرى المعهد اللبناني لدراسات السوق أن الهدوء النسبي الذي أعقب إعلان الهدنة لا يعني بالضرورة أن ملف الكهرباء سيسير في الاتجاه ذاته، إذ تظل الإشكاليات الهيكلية العميقة قائمة بمعزل عن التطورات الأمنية. وتُشكّل هذه الإشكاليات عقبةً حقيقية أمام أي تحسن منتظر في هذا القطاع الحيوي.
تجدر الإشارة إلى أن ارتفاع أسعار النفط عالمياً لم يُفضِ حتى الآن إلى أي تعديل في تعرفة الكهرباء التي وضعتها مؤسسة كهرباء لبنان خلال الفترة الممتدة بين عامَي 2022 و2023. وتقوم هذه التعرفة على نظام تصاعدي يُحدد سعر المئة كيلوواط ساعة الأولى بعشرة سنتات أمريكية، في حين يرتفع السعر إلى سبعة وعشرين سنتاً لكل ما يتجاوز هذا الحد. ويُلاحظ أن هذا السعر الثابت يكفي من حيث المبدأ لتغطية تكاليف الإنتاج في لبنان.
غير أن المشكلة الجوهرية تتمثل في عجز هذه التعرفة عن تغطية تكاليف التوزيع الفعلية، وما يترتب عليها من هدر في الجباية وضعف في التحصيل. ويُعدّ هذا الخلل المزمن المسبب الرئيسي لاستمرار ظاهرة التقنين الكهربائي التي يعانيها المواطن اللبناني منذ عقود.
ويكشف هذا الواقع عن معادلة مقلوبة: فلبنان يعجز عن توليد الكهرباء الكافية لتأمين الإيرادات اللازمة لشراء الوقود، مما يُبقيه في دوامة متكررة من الأزمات الطاقوية. وقد أضافت موجة ارتفاع أسعار النفط العالمية بُعداً آخر إلى هذه الأزمة، إذ باتت فواتير المحروقات الموجهة إلى قطاع الكهرباء أثقل وطأة، مما يُعمّق الاختلال القائم ويُضيّق هامش المناورة أمام أي إصلاح قطاعي منشود.
وعليه، يبقى قطاع الكهرباء في لبنان رهين إصلاح شامل يطال بنية التسعير وآليات التوزيع وإدارة الجباية، وهو ما لا يمكن لوقف إطلاق النار وحده، مهما كانت أهميته، أن يُحقق.