يمر لبنان اليوم بمرحلة دقيقة للغاية، لا سيما في ظل بعض المفاوضات الجارية وضرورة تثبيت الشرعية بالسلاح وفرض سيطرة الدولة على مختلف المناطق. وتكتسب إعادة مسك زمام الأمور أهمية بالغة اليوم من أجل تحرير الأراضي المحتلة، والتوصل إلى اتفاق نهائي يضمن عدم تجدد الحرب وعدم تكرار الإشكالات التي شهدها لبنان سابقًا. وتصاعد الضغط المالي على حزب الله وقنواته التمويلية تدريجيًا، بدءًا من قطع علاقات المصارف معه، وصولًا إلى عقوبات الخزانة الأميركية التي فُرضت مؤخرًا على خمس كيانات، من بينها شركات محاسبة وتدقيق حسابات، إضافة إلى القرض الحسن و١٦ شخصية. وامتدت هذه العقوبات لاحقًا إلى دائرة أضيق تتمثل بتبادل العملات الرقمية عبر المحافظ الإلكترونية القائمة على تقنية البلوك تشين، وهي الوسيلة التي يبدو أن الحرس الثوري الإيراني يعتمدها مع أذرعه، ومنها حزب الله، لتأمين التمويل.
وأظهرت دراسة أجراها موقع متخصص بمتابعة هذه الشؤون وجود محاولات عديدة لجمع تبرعات لحزب الله عبر عملات مشفرة متعددة وشبكات بلوك تشين مختلفة، مع تسهيل تحويل هذه الأموال إلى دولارات فعلية عبر محال مخصصة لذلك. وتُقدَّر قيمة هذه الأموال، بحسب التحقيقات، بما يتراوح بين تسعين ومئة مليون دولار، وهو رقم كبير جدًا.
وتُجمِّد العقوبات المفروضة على هذه المحافظ الوصول إلى الأموال الموجودة فيها، وإن كان بإمكان المتعاملين إنشاء محافظ بديلة، إلا أن تتبع خريطة هذه الأموال يتيح تقنيًا وقف أي تمويل جديد عبر هذه القنوات، ما يحد من تدفق الأموال إلى حزب الله ويقلص إمكانية استخدامها في التسلح.
ويدفع لبنان، في نهاية المطاف، ثمن هذه الفوضى، إذ يبقى مدرجًا على اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي بسبب ضعف الامتثال، وتكمن المشكلة الأساسية عند تجار العقارات والمجوهرات وغيرهم من العاملين خارج الإطار المصرفي، ما يسهل عمليات تبييض الأموال ويصعّب التعاملات مع المصارف المراسلة ويرفع كلفة الاقتراض بين لبنان والخارج.
وصدرت في لبنان منذ العام ٢٠٢٤، تاريخ إدراجه على اللائحة الرمادية، قوانين وتشريعات لمكافحة تبييض الأموال، غير أن المشكلة تبقى في ضعف التطبيق الفعلي. وتطالب مجموعة العمل المالي بملاحقات جدية وتجميد للأصول وتنسيق أوثق بين الأجهزة الرقابية والأمنية للحد من تبييض الأموال، خصوصًا عبر العملات المشفرة. ويبقى المطلوب اليوم وضع إطار تنظيمي وقوانين جديدة خاصة بالعملات الرقمية، في ظل غياب أي ضابط رسمي لهذه المعاملات حتى الآن.
اضغط هنا لمشاهدة المقابلة على قناة الحدث