خسائر الحرب تهدم ما تبقى من الهيكل المترنح إقتصاد «النزيف المفتوح» الى متى؟

الحرب

تتردّد أصداء الحديث عن رقم 100« مليون دولار» كخسارة يوميّة من جرّاء الحرب بين إسرائيل و«حزب الله»، وهو رقمٌ كفيلٌ بهزّ الطمأنينة المفقودة أصلًا، وسلب اللبنانيين ما تبقّى من أملٍ بعودة الإزدهار. إلّا أنّ الباحثة في «المعهد اللبناني لدراسات السوق ماري لين العلي، تضع هذا الرقم في إطاره العلمي الدقيق، موضّحةً أنّه يبقى «تقديرياً» في ظلّ غياب مسوحات ميدانية نهائية تحدّد حجم الأضرار المباشرة بدقّة. لكن هذا التحفظ العلمي لا يقلّل من خطورة المشهد، إذ تشير إلى تقديرات البنك الدولي التي وضعت كلفة الخسائر الاقتصادية لعام 2024 عند عتبة الـ15 مليار دولار.

هذه الفاتورة الباهظة، التي تراكمت منذ بدء «حرب الإسناد»، تتوزّع بنيويّاً على ثلاثة محاور أساسية: كلفة المباني والمنشآت التي سويت بالأرض، والخسائر الناجمة عن الشلل التامّ الذي أصاب الحركة الاقتصادية والأعمال في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت، وصولًا إلى الأعباء الضخمة لعملية إعادة الإعمار

المرتقبة. ولا تتوقّف الأرقام عند حدود جبهات القتال، بل تمتدّ لتشمل الموت السريري للنشاط الاقتصادي في المناطق النائية، نتيجة الإنهيار الحادّ في قطاع السياحة والخدمات الذي يُعدّ المحرك الحيوي للدورة الاقتصادية اللبنانية.

وتؤكّد الباحثة ماري لين العلي أنّ ارتفاع فاتورة الخسائر في الأيام المقبلة بات أمراً محتوماً؛ فالحرب المستمرّة تلتهم اليوم فرص النجاة مع اقتراب موسم الصيف المهدّد بـ«خيانة» القطاع السياحي. ولبنان، الذي يعتمد اقتصادُه بشكلٍ عضويٍّ على السياحة بدخلٍ سنويٍّ تراوح بين 6 و7 مليارات دولار، يواجه اليوم خطر تبخّر هذه المليارات، ما سيؤدّي حكماً إلى تراكم الخسائر وتعميق النزيف. ولا تتوقّف المأساة عند حدود السياحة، بل تمتدّ لتطال الدرع النقدي المتمثل باحتياطي الدولار، الذي سجّل انخفاضاً ملحوظاً من 12 ملياراً إلى ما يقارب 11.5 مليار دولار منذ بداية التصعيد. وهذا التراجع ليس مجرّد أرقام، بل هو نتيجة لجوء المواطنين إلى «التحوّط» عبر استبدال الليرة بالدولار بحثاً عن أمانٍ ماليّ مفقود، فضلًا عن الضغوط التي فرضها ارتفاع كلفة الإستيراد؛ وتضاعف الحاجة إلى السيولة الصعبة مع قفزة أسعار النفط العالمية، وما تبعها من إرتفاع في أسعار البضائع والمواد الغذائية، والسلع الإستهلاكية الأساسية.

فخ العجز و«الخيار المُرّ» للموازنة

أمّا عجز الموازنة، الذي لطالما كان الثقب الأسود في الأزمات اللبنانية، فيبدو اليوم أكثر قتامةً في ظلّ الحرب. وعليه، تجد الحكومة نفسها بين فكَّي كمّاشة: من جهة تراجع حادّ في الإيرادات نتيجة شلل الجباية وانفجار في النفقات لتغطية خطط الطوارئ، ومن جهة أخرى إزالة الأنقاض، واحتياجات النزوح المتعاظمة. هذا الواقع يضع الدولة أمام الخيار الُمرّ، وهو العودة إلى التمويل النقدي عبر المصرف المركزي، وهو الكأس المرّة التي تجرعها اللبنانيون طويلًا، لما يحمله من مخاطر كارثية على استقرار الليرة، خصوصًا إذا ما استمرّت الدّوّامة الحاليّة من الإنفاق المفتوح مقابل جفاف الموارد. هذا التأزّم المحلّي ينسحب على المشهد الإقليمي، حيث يواجه الاقتصاد اللبناني جملةً من الضغوط المركّبة التي تتقاطع فيها نيران الحرب مع إضطرابات الجغرافيا السياسية. فبالإضافة إلى النزيف الداخلي المتمثّل في دمار البنى التحتية، يجد لبنان نفسه مكشوفاً أمام تداعيات التوتر في الممرات المائية الدولية، ولاسيّما المخاطر التي تهدد مضيق هرمز وباب المندب. وقد أدّى هذا الإضطراب في الشرايين الحيويّة للتجارة العالمية إلى عرقلة إمدادات النفط ورفع أسعارها الى مستويات قياسية، مما أصاب القطاعات الإنتاجية اللبنانية في مقتل. فلبنان يعتمد بشكلٍ مفرطٍ وقسريّ على مادّة المازوت لتشغيل المولّدات الخاصّة، ما أدّى إلى قفزة حادّة في كلفة الإنتاج والتشغيل، بدءًا من رغيف الخبز وصولًا إلى أصغر وحدة صناعيّة. ولا تتوقّف الضغوط عند حدود الطاقة، بل تمتدّ لتشمل كلفة الشحن والتأمين التي ارتفعت بشكل جنوني نتيجة تصنيف السواحل اللبنانية كـ«مناطق مخاطر عالية.» فالإرتفاع المباشر بشكل تضخّمي ينعكس على أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية التي يستورد لبنان أكثر من 80 في المئة منها من الخارج. وبذلك، بات تضاعف ثمن «ضريبة الحرب» على جيب المواطن، إن في ندرة السيولة، أو في تحمّل كلفة الشحن المرتفعة التي تُضاف إلى السعرالنهائي للسلع. هذا «الحصار الاقتصادي» غير المباشر، أجهز على التوقعات المتفائلة التي كانت تراهن على موسم سياحي صيفي واعد، إذ كان يُفترض أن يرفد الاقتصاد بحوالى 7 مليارات دولار. ومع ضياع هذه الكتلة النقدية الضخمة حُرم القطاع المصرفي والنقدي من تدفقات العملة الصعبة التي كانت تشكّل «أوكسجين» الصمود لليرة اللبنانية. وتحوّلت الأرباح الموعودة إلى خسائر متراكمة، لتعيد رسم ملامح الاقتصاد اللبناني كـ«اقتصاد أزمات» يفتقر إلى أدنى مقومات الأمان والإستقرار الإستثماري.

 

 «زلزال» الإغلاقات: من الإستهداف   المباشر إلى شلل الأسواق «الآمنة»

تقتضي معاينة الواقع الاقتصادي المأزوم النظر بعمق إلى خارطة توزّع المؤسّسات المتضرّرة، والتي ترسمها الباحثة ماري لين وفق مسارَين متوازيين؛ الأوّل يتمثّل في المؤسسات الواقعة في مناطق النزاع المباشر أي الجنوب والبقاع، والضاحية الجنوبية، حيث تجاوز الضرر حدود التعثّر المالي ليصل إلى التدمير المادي للأصول والمنشآت والشلل التامّ في الإنتاجية. أما المسار الثاني، وهو الأكثر إثارة للقلق، فيتمثّل في زلزال الإغلاقات الذي طال قلب الأسواق التجارية التي تُصنَّف «آمنة» في بيروت وجبل لبنان، والتي اتّجه العديد منها نحو الإقفال الموقّت. هذا الإنكفاء المؤسّساتي يأتي نتاج تقاطع عاملَين مدمّرَين: أوّلًا، تراجع الطلب الإستهلاكي الحادّ؛ حيث فرضت المخاطر الأمنية تحوّلًا جذريّاً في سلوك المواطن، الذي بات يوجّه قدرته الشرائية نحو «اقتصاد البقاء» أي التّموّن بالغذاء والدواء والمستلزمات الأساسية. وهذا التقنين القسريّ لا ينبع من الخوف الأمنيّ فحسب، بل يغذّيه الإرتفاع الجنوني في كلفة النقل والأسعار، ما دفع اللبنانيين إلى اعتماد سياسة الإدّخار والحدّ من المصاريف غير الملحّة. العامل الثاني، هو الإرتفاع الكبير في أسعار الطاقة. وفي عمدت بعض المؤسسات الى خفض التكاليف التشغيلية، إلا أنها وجدت نفسها أمام فاتورة مولّدات خاصّة ارتفعت بنسبة 35 في المئة، بينما سجّلت في الواقع قفزات غير رسميّة وصلت إلى 100 في المئة، وفي بعض الأحيان تضاعفت ثلاث مرّات. وفي ما خص فاتورة المولّدات، تكشف الأرقام أنّ سعر «الكيلوواط» الواحد الذي كان يبلغ 30 سنتاً قبل الحرب، قفز في بعض المناطق ليصل إلى 1 دولار؛ وهي زيادة تضع أيّ مؤسسة تجاريّة، مهما بلغ حجمها، أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الإستمرار في تكبّد الخسائر أو الإغلاق التامّ.

 تراكم اّلمديونية وانحسار «الأدمغة:» لبنان   بين فخ العجز وهجرة الكفاءات المستدامة

لا تتوقف تداعيات الحرب عند حدود الخسائر الآنية، بل تمتدّ لتضرب عمق المديونية العامة؛ فالدولة اللبنانية اليوم مهدّدة بالإنزلاق مجدّداً نحو عجز موازنة قد يتجاوز 3 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في حال استمرار استنزاف الإيرادات الجمركية والضريبية التي تشكّل عصب الخزينة. وأمام واقع حاجة النزوح من مساعدات إنسانية وطبية، تجد الحكومة نفسها بمواجهة معضلة الموازنة بين احتياجات الناس الملحّة والحفاظ على استقرار نقدي بات يترنّح تحت ضغط الإنفاق الطارئ على إزالة الأنقاض وخطط الإغاثة، ما قد يدفعها قسراً نحو «الإنتحار المالي» عبر طلب التمويل النقدي من المصرف المركزي، وهو المسار الذي أدّى سابقاً إلى انهيار القدرة الشرائيّة للّيرة. على مقلبٍ أكثر قساوة، يبرز خطر تفريغ لبنان من كفاءاته كأحد أكثر الأثمان استدامة. فبعد موجات الهجرة التي أعقبت أزمة 2019 وطالت حوالى 30 في المئة من الجسم الطّبّي والتمريضي وآلاف المهندسين، شهدت البلاد محاولات خجولة لاستعادة بعض هذه الأدمغة مع استقرار سعر الصرف مؤخّراً. إلّا أنّ الحرب الحاليّة أجهضت هذا «التعافي البشري.» وتكمن الخطورة الكبرى في قطاع صناعة المعلوماتيّة والخدمات الرقميّة التي تعتمد على العمل عن بُعد. هؤلاء المبدعون الذين يرفدون لبنان بالعملة الصعبة يواجهون اليوم عدوّاً تقنياً يتمثّل في بنى تحتية متهالكة زادتها الحرب ضعفاً.

“خارطة طريق التعافي: من حطام   الإحتكارات إلى حصانة “مجلس النقد

لا يبدأ المسار الجدّيّ لانتشال الاقتصاد اللبناني من تحت الركام بمجرّد ترميم الحجر، بل بمواجهة المعضلة البنيوية التي تخنق المبادرة الفردية: الإنفجار في الكلفة التشغيلية. فإعادة بناء البنى التحتية المنهكة من كهرباء ومياه واتّصالات تظلّ خطوة قاصرة ما لم تقترن بـ«نفضة» إداريّة تكسر قيد الإحتكارات التي تسيطر على القطاعات الحيويّة وتستنزف جيوب المواطنين وأصحاب العمل على حدٍّ سواء. وتشير العلي أنّ حجر الزاوية في أيّ نهوض اقتصادي حقيقي يكمن في تفعيل دور الهيئات الناظمة المستقلّة. والمطلوب اليوم ليس هيئات ورقيّة تزيد من البيروقراطية، بل سلطات رقابية تمتلك الجرأة لفتح الأسواق أمام المنافسة الحقيقية عبر الترخيص لشركات جديدة لإنتاج الطاقة وتطوير الاتّصالات. وهذا التوجّه يشكّل حجر الأساس لكسر الإحتكار العام والخاص، وتحفيز النمو عبر خفض التكاليف وتحسين الجودة، مّما يخفّف الأعباء عن كاهل المؤسّسات التي تصارع للبقاء. ومع ذلك، يظلّ «عامل الثقة» هو الأساس المحرّك الغائب، وفي الوقت نفسه فإن إستقرار سعر الصرف ليس كافياً لإعادة استقطاب الرساميل أو دفع المؤسسات التي خرجت من لبنان للعودة إليه. الثقة، في مفهومها الاستراتيجي، تحتاج إلى «مرساة» نقدية صلبة لا تتأثّر بالهزات الأمنية أو المماطلات السياسية. من هنا، يبرز نظام «مجلس النقد» Currency) (Board الذي يقوم على قاعدة ذهبية بديلة للطريقة التقليدية في إدارة المصارف المركزية، أي ربط الليرة اللبنانية بسعر صرف الدولار بشكل ثابت، مع إلتزام الدولة بتغطية الكتلة النقدية والودائع بالكامل باحتياطات الدولار الموجودة في خزائن المجلس. وهذا الربط المحكم يمنح الليرة «مصداقية حديدية» وحصانة فورية، ويخلق بيئة مستقرة تجذب الإستثمارات التي هربت بحثاً عن اليقين، مقتدياً بتجارب دول واجهت أزمات وجودية ونجحت، كالبوسنة وهونغ كونغ.

 من نزيف الخسائر إلى استقرار السيادة

 يواجه لبنان اليوم اختباراً مصيريّاً تتجاوز أبعاده حدود الجغرافيا العسكريّة لتضرب عمق أمنه المعيشيّ واستقراره الاجتماعي. فبينما يشتدّ نزيف الكفاءات الذي جعل الصمود المهنيّ داخل البلاد نوعاً من العبث الاقتصادي، تبدو الأرقام على ضفّة التمويل والإغاثة محبطة، إذ لم يغطِّ المجتمع الدولي سوى 20 في المئة من الحاجة الفعلية لإعالة مليون نازح، ما يضع الدولة أمام مأزق «الموازنة الصفرية.» ومع انسداد قنوات التمويل التقليدية نتيجة التوقّف عن سداد «اليوروبوندز» وتعثّر القطاع المصرفي المحلّي، لم يعد خيار الاستدانة متاحاً لسدّ فجوة كلفة الحرب والنزوح. إنّ هذا الواقع يفرض حكماً الإنتقال من سياسة «الإنتظار» الّتي لم تجرّ على البلاد سوى مزيدٍ من العجز، نحو مخارج غير تقليديّة وإصلاحات هيكليّة ونقديّة فوريّة. فالتعافي الحقيقيّ يبدأ بكسر قيود الإحتكارات لخفض الكلف التشغيلية، وينتهي بتحصين العملة الوطنية عبر نظام «مجلس النقد» الّذي يغلق أبواب الإستنزاف المالي ويمنح اللّيرة حصانة حديديّة. وحدها هذه الخطوات الجريئة كفيلة بإعادة النبض لقلب بيروت التّجاري وبناء اقتصاد صلب يرتكز على الثقة والمصداقية، ليعود لبنان وطناً يستثمر في طاقاته، لا مجرّد محطّة لقطارات الهجرة القسريّة.

اضغط هنا لقراءة المقال على موقع المسيرة