تُلقي الحرب الدائرة بظلالها الثقيلة على أداء المؤسسات والشركات اللبنانية في مختلف المناطق، بما فيها تلك البعيدة عن بؤر العدوان الإسرائيلي المباشر. يكشف تقرير صادر عن مصرف بلوم للاستثمار بعنوان “العبء الاقتصادي لحرب لبنان وإسرائيل عام 2026 على الشركات اللبنانية”، والمستند إلى دراسة أعدّتها “Lebanon Opportunities”، أن جزءاً واسعاً من الشركات اللبنانية تعرّض لضربة قاسية، رغم عدم تضرّرها بأضرار مادية مباشرة.
واصلت شركات كثيرة عملها بطاقة إنتاجية أدنى في ظل تراجع الطلب، وارتفاع الكلفة التشغيلية، واضطراب سلاسل النقل والتوريد، وتراكم حالة من انعدام الثقة في السوق. أسهم ارتفاع أسعار النفط والطاقة في تحويل النقل واللوجستيات إلى عبء مضاعف، ما رفع تكاليف التشغيل في لحظة كانت فيها الإيرادات تتراجع أصلاً بفعل انكماش الاستهلاك وتباطؤ الحركة في الأسواق.
تجلّت تداعيات الحرب كذلك في مؤشر مديري المشتريات (PMI) الذي يقيس قدرة النمو والانكماش في القطاع الخاص بناءً على استطلاع شهري لعدد كبير من الشركات؛ إذ سجّل هذا المؤشر تراجعاً حاداً بلغ 47 نقطة في آذار و44 نقطة في نيسان، في حين يُعدّ المعدل الفاصل بين النمو والانكماش 50 نقطة. يعني ذلك أن القطاع الخاص بمجمله، سواء في قطاعاته الصناعية أو الزراعية أو التجارية أو الخدماتية، يرزح تحت وطأة انكماش اقتصادي شامل.
تعاملت أصحاب المؤسسات في خضم هذه الحالة من اللايقين مع المخاطر لا من خلال التحوط الاستراتيجي، بل عبر تأجيل الاستثمارات وتجميد المشاريع الجديدة وإرجاء الإصلاحات، لتتحوّل القرارات اليومية نحو إدارة السيولة وخفض النفقات. تمتد الخسائر بذلك إلى ما هو أبعد من المناطق المتضررة مباشرة من القصف، لتشمل مناطق آمنة عبر قنوات كتراجع المبيعات وخفض ساعات العمل وتجميد التوظيف وتقليص الرواتب.
تشير الأرقام إلى أن نحو 30% من الشركات خفّضت ساعات عمل موظفيها، وجمّد 26% منها التوظيف، فيما لجأ 7% إلى خفض الرواتب بصورة ملموسة. لم تتجلّ انعكاسات الأزمة على سوق العمل دوماً عبر الصرف المباشر؛ فالاستقرار الوظيفي الظاهر لا يعكس بالضرورة استقراراً اقتصادياً حقيقياً، إذ بقي كثير من العاملين في وظائفهم بدخل أقل وساعات عمل أدنى وقلق متصاعد حيال المستقبل. وصلت بعض الشركات إلى حدّ تقليص رواتب موظفيها بنسبة تقارب 50%، وثمة مخاوف جدية من أن استمرار الحرب سيدفع عدداً أكبر منها إلى وقف صرف الرواتب الكاملة.
تفاوتت درجة التأثر بحسب القطاعات وحجم المؤسسات؛ فقد جاءت شركات التجارة الأكثر عرضة للصدمة نظراً لاعتمادها المباشر على الطلب الاستهلاكي وشبكات النقل، في حين واجهت الصناعة ضغطاً مزدوجاً من ارتفاع كلفة الطاقة والمواد الأولية. أما قطاع الخدمات فأبدى قدرة أكبر على الاستمرار التشغيلي، غير أنه لم ينجُ من ضعف الطلب وغموض المرحلة المقبلة.
على صعيد البنية الهيكلية للقطاع الخاص اللبناني، تجدر الإشارة إلى أن ما يزيد على 90% من الشركات اللبنانية هي مؤسسات عائلية تعتمد على المبادرة الفردية وعدد محدود من الموظفين، وهو ما يجعلها الأكثر هشاشة في مواجهة الصدمات الاقتصادية. تملك هذه المؤسسات احتياطيات مالية أدنى وقدرة أضعف على تحمّل انقطاع المبيعات أو الاستيعاب المطوّل لارتفاع الكلفة. ازداد خطر إقفالها في ظل هذه الأوضاع، مما يُلقي بتبعات مباشرة على مستويات البطالة التي تتجاوز أصلاً 40% في أوساط الشباب.
تصطدم الشركات أيضاً بأعباء لوجستية متراكمة، إذ ارتفعت كلفة الشحن الجوي بأكثر من ثمانية أضعاف، وتضاعفت أعباء الشحن البحري، مما أخلّ بعمليات التصدير لا سيما إلى الأسواق العربية. يُضاف إلى ذلك أن كلفة الطاقة في لبنان كانت قبل الحرب تبلغ نحو 40 سنتاً للكيلوواط ساعة، مقابل متوسط عالمي لا يتجاوز 12 سنتاً، ثم ارتفعت بشكل إضافي في ظل الحرب، مما رفع كلفة الإنتاج إلى مستويات تُعيق المنافسة في أسواق التصدير والأسواق المحلية على حدٍّ سواء.
يُطالب أصحاب الشركات اليوم الدولة بتخفيف الأعباء الضريبية والرسومية عنهم، سعياً لتأمين استمراريتهم ودفع رواتب موظفيهم والإسهام في الدورة الاقتصادية. يتجاوز هذا المطلب كونه مجرد تدبير طارئ، ليُعبّر عن ضرورة هيكلية في ظل مناخ استثماري متعثر، إذ أخفق مؤتمر بيروت المنعقد في صيف 2025 حتى اللحظة في تحويل نوايا الاستثمار البالغة نحو ثلاثة مليارات دولار إلى مشاريع فعلية على أرض الواقع، بسبب الظروف التي يمر بها لبنان.
تحوّل هدف الشركات في هذا السياق من النمو إلى الصمود، ومن الاستثمار إلى إدارة الخسائر اليومية. يبقى الخطر الأكبر الذي تواجهه المؤسسات اللبنانية اليوم هو استنزاف قدرتها على التحمّل وإقفالها، مما سيُفاقم أزمة البطالة ويُعيق أي مسار نحو التعافي الاقتصادي في مرحلة ما بعد الحرب.