[…]
أزمة مركبة
لا يمكن تصنيف أزمة الكهرباء ضمن خانة “الأزمة المستجدة”، فلبنان يعاني منذ أعوام فشلاً عميقاً على مستوى الكهرباء العمومية، وتحول القطاع إلى “كتلة من العقد” التي استعصى فكها خلال العهود المتعاقبة.
يشير مدير عام الاستثمار السابق في وزارة الطاقة والمياه المهندس غسان بيضون إلى أن “لبنان يعيش خطراً مستمراً لانقطاع التيار الكهربائي، ولم تكن تنقصه أزمة إضافية أو حرب لبلوغ العتمة الواسعة النطاق”، ويضيف “تفتقر مؤسسة كهرباء لبنان إلى القدرة والملاءة المالية لشراء الفيول بكميات كافية، حيث كنا نعيش العتمة بين باخرة غير مطابقة أفرغت حمولتها، وباخرة تأخرت في قدومها، وازدادت التهديدات مع ارتفاع أسعار الوقود، والتضييق على عمليات الاستيراد، وتركز النزوح إلى مناطق بعينها في بيروت وجبل لبنان”. يستبعد بيضون وهو خبير لدى المعهد اللبناني لدراسات السوق، بلوغ الإنتاج مرحلة التصفير بفعل وجود مصادر مستدامة على غرار الإنتاج الكهرومائي على مجاري نهر الليطاني، مستدركاً “قد نصل إلى مرحلة توقف الحياة الاقتصادية بفعل تأثر المرافق العامة المختلفة بشح التيار الكهربائي، وصعوبة الاستيراد من الخارج بفعل عدم توفر الموارد المالية”، منوهاً “ستعاني كهرباء لبنان صعوبات في تأمين الأموال لشراء الفيول أويل على أسعار عالية، فهي كابدت كثيراً لشراء المحروقات عندما كان سعر النفط لا يتجاوز 70 دولاراً أميركياً، فكيف الحال بها مع تجاوز عتبة 110 دولارات، وهو مرشح للارتفاع”.
ويعتقد بيضون أن “المعاناة ستنسحب على المولدات الخاصة بفعل نزوح كتلة بشرية هائلة، أي أكثر من مليون إنسان إلى مناطق جديدة، وهو ما يزيد الضغط على البنية التحتية لتلك المناطق، حيث تحاول الهيئة العليا للإغاثة ووزارة المالية ووزارة الطاقة تأمين النفقة التشغيلية لبعض المولدات من أجل تخفيف الأعباء”، معبراً عن أسفه لعدم تعلم الدولة من تجربة الحرب السابقة عام 2024، إذ كان يمكن اتباع إجراءات احترازية لإضاءة المؤسسات العامة، والمدارس المعتمدة مراكز للإيواء، والملاعب من خلال تركيب أنظمة للطاقة النظيفة لتجنب الانقطاع، والحد من الإنفاق بفعل الاعتماد على المحروقات.
في المقابل، يتخوف بيضون من عتمة شاملة في أنحاء المنطقة الكهربائية في حال اتسعت دائرة الاستهدافات لتشمل البنية التحتية للطاقة، وهو ما سيزيد من أعباء الدولة المنتجة والكلفة على الدول المستوردة، متحدثاً عن “نزف الدولارات والعملة الأجنبية الصعبة من أجل الاستيراد”.
يأمل بيضون بنهاية سريعة للحرب وعدم زيادة الكلفة على العالم، ناصحاً “الدولة اللبنانية بالانتقال إلى لا مركزية الإنتاج والتوزيع، ومنح البلديات واتحادات البلديات بالتعاون مع القطاع الخاص من أجل تقسيم دوائر الإنتاج بالطاقة الشمسية، إذ يمكن تأمين ثماني ساعات طاقة نظيفة بالحد الأدنى، فيما يتركز إنتاج مؤسسة كهرباء لبنان لتزويد المؤسسات العامة بالطاقة النهارية، وتوجيهها ليلاً إلى المدن والوحدات السكنية”.
القلق من المستقبل
لا تقتصر أزمة الكهرباء في لبنان على الجانب “التمويلي”، وإنما تنسحب على سلسلة طويلة من الإشكالات بفعل قدم الشبكة، وعدم كفاءة النظام المؤسسي والإنتاجي. تحذر المتخصصة في مجال الطاقة ديانا قيسي من استمرار استهداف البنى التحتية للطاقة في لبنان، إذ تعرضت محطة للتحويل في مدينة بنت جبيل جنوب لبنان، وهو ما يؤدي إلى حرمان القرى المحيطة من التيار الكهربائي. ومن جهة أخرى تنوه قيسي إلى أن “لبنان دولة مستوردة للنفط، لذا فإنه بلد هش، ولا يمتلك رفاهية الصدمات، وهو سيعاني كثيراً من ارتفاع أسعار النفط، كذلك فإنه يعتمد في الإنتاج على محطات حرارية قديمة، وتحتاج الشبكة إلى إصلاحات واسعة”.
تتطرق قيسي إلى الاعتماد المتزايد على الطاقة الشمسية في لبنان بحدود الثلث، إذ ارتفعت القدرة الإنتاجية إلى قرابة 1200 ميغاواط بفعل طفرة الطاقة النظيفة، ولكن يؤخذ عليها أنها “غير منظمة”، و”لا يمكن اعتبارها حقلاً بديلاً، بدليل استمرار الاعتماد على الكهرباء المولدة من النفط المستورد وعلى مولدات المشاركة الخاصة”. وتستغرب قيسي “عدم قيام لبنان بأي إجراءات لضبط استهلاك النفط والكهرباء المنتجة على غرار ما فرضته دول مثل مصر والأردن من ضوابط لمواجهة ارتفاع أسعار النفط وهو ما ينعكس على كلفة الإنتاج”.
من جهة أخرى يتكرر الحديث عن مشاريع “الربط الكهربائي” بين الدول المجاورة، ويأمل اللبناني منذ عقد من الزمن بتحقيق مشروع ربط الشبكة مع سوريا والأردن. وتلفت ديانا قيسي إلى اجتماع ثلاثي عقد في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، من أجل إحياء مشروع ربط الشبكات وخط الغاز العربي، معتبرة إياه جزءاً من الحلول المستقبلية التي توقفت موقتاً بفعل الحرب الحالية.
وتشدد على أهمية الربط الكهربائي الإقليمي لأنه “يخفف من أخطار عدم استقرار الشبكة، كذلك فإنه يتيح الاستيراد الطارئ ما بين البلدان، ويحقق المرونة في الإنتاج والتوزيع”، ويسهم الربط العابر للحدود في تبادل الطاقة المنتجة بأنظمة الطاقة الشمسية والطاقة المتجددة، وصولاً إلى حقبة “الأمن الطاقوي الإقليمي”.
تجزم قيسي أنه في “غياب الحلول الطويلة الأمد والتعاون الإقليمي سيبقى لبنان أسير مشكلة ثلاثية الأضلاع، تقوم على تقنين الكهرباء العمومية، وارتفاع كلفة المولدات الخاصة، وتقلبات الأسعار في أسواق النفط العالمية”. وتقترح حزمة طارئة من الحلول الآنية لمواجهة المشكلة في لبنان، حيث تبدأ بحماية “العقد الحساسة” أي محطات التحويل الرئيسة، ومحيط معامل الإنتاج، وخطوط التوزيع، وتأمين خطط تشغيلية بديلة، وتعزيز مخزونات قطع الغيار ومحطات التحويل، ودعم مخزون الفيول، ناهيك باللجوء إلى الحلول اللامركزية المنظمة، والاعتماد الإضافي على الطاقة الشمسية، وتنظيم عملية التبادل الطاقوي بين الطاقة النظيفة والاشتراكات لتخفيف استهلاك الفيول، وتأكيد الربط الطاقوي مع المحيط العربي وتحديداً الأردن. وتتحدث عن حسن استخدام القرض مع البنك الدولي لدعم الشبكة العامة وطريقة إدارتها، للحفاظ على استمرار واستقرار قطاع الطاقة في لبنان.
عولمة المشكلة
لا يمكن فصل أزمة لبنان عما يدور في ميدان الشرق الأوسط المتفجر. وتلفت قيسي إلى مجموعة من الأخطار التي تواجه قطاع الطاقة والكهرباء في البلاد العربية والشرق الأوسط، مشيرة إلى أربعة مصادر، يأتي في مقدمها استهداف البنية التحتية للطاقة، إن على مستوى محطات التوليد والتحويل، والنقل والمرافئ ومحطات التحلية، أما المشكلة الثانية فهي ناجمة عن عرقلة عملية انسياب المحروقات والوقود، إذ يؤدي الصراع على مضيق هرمز إلى عرقلة وصول 30 في المئة من النفط و20 في المئة من الغاز المسال إلى وجهاته النهائية لإنتاج الطاقة والكهرباء، وهو ما أدى إلى رفع الأسعار وتهديد سلاسل الإمداد، أما المشكلة الثالثة فهي تأتي من الترابط بين محطات الكهرباء ومحطات تحلية المياه في الخليج، أما المشكلة الرابعة فهي ناجمة عن “هشاشة شبكات التوزيع نفسها”، فهي شبكات قديمة، وتفتقر إلى الصيانة المستمرة، وستتعرض لأضرار كبيرة في حال استمرار الهجمات العسكرية والتصعيد المتبادل.
