أصدر مصرف لبنان تعميماً بالغ الدقة يهدف إلى منع عمليات التهريب وتبييض الأموال، ويضبط من خلاله إيقاع عمل شركات ومحال الصيرفة، ويعيد في الوقت نفسه تنظيم مسار التحويلات المالية الداخلية والخارجية على حد سواء.
يفتح هذا التعميم، قبل الانتقال إلى تفاصيله الثالثة، ملفاً حساساً يتعلق بعلاقة حزب الله بشبكات التحويل المالي التي تعمل خارج دائرة إشراف مصرف لبنان، إذ لا يمكن تجاهل حجم المشكلة الكبيرة التي يعاني منها لبنان في هذا المجال.
تتصل هذه المشكلة بشكل مباشر بمصادر الأموال، حيث لا يبدي المجتمع الدولي أي ارتياح تجاه هذا الملف، ولا تشعر المؤسسات والمصارف الدولية بالراحة عند التعامل مع لبنان. ويبدو أن هذا القلق الدولي يشكل أحد الأسباب الرئيسية التي دفعت مصرف لبنان إلى اتخاذ قراره الأخير بخصوص الكاميرات وغيرها من الإجراءات الرقابية، إذ توجّه المصرف في تعميمه الأخير إلى الصرافين وغير الصرافين في محاولة منه لكبح جماح هذا الملف الشائك.
يسعى مصرف لبنان من خلال هذه الخطوة إلى إرسال رسالة واضحة إلى المجتمع الدولي، مفادها أن ثمة جهوداً جدية تُبذل لمعالجة هذا الملف، وأن المصارف اللبنانية تسعى بدورها إلى إثبات جديتها في هذا الإطار، لعل ذلك يساهم في إخراج لبنان من اللائحة الرمادية التي يصنَّف ضمنها حالياً.
تكمن خطورة الوضع الراهن في أن لبنان لم يعد قادراً، في ظل هذه الظروف، على الاستمرار على هذا النحو، إذ إن عجزه عن تحويل الأموال إلى الخارج واستقبالها من الخارج بشكل سلس ينذر بمزيد من التعقيدات.
تتوقع هذه المعطيات أن يقود استمرار هذا الوضع إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية القائمة أصلاً، وأن يؤدي إلى مزيد من الانكماش الاقتصادي، فضلاً عن تشديد الخناق على كل من القطاعين الخاص والعام، وربما يصل الأمر في نهاية المطاف إلى تداعيات أكثر خطورة تطال الاستقرار المالي والنقدي في البلاد ككل.
يبقى التحدي الأكبر أمام السلطات اللبنانية متمثلاً في إيجاد التوازن الدقيق بين ضبط هذه الشبكات المالية غير الخاضعة للرقابة من جهة، وتجنب المزيد من الضغط على اقتصاد منهك أصلاً من جهة أخرى، وذلك في سياق أوسع يتطلب إصلاحات هيكلية شاملة تعيد الثقة الدولية بالقطاع المصرفي اللبناني.