تحرير قطاع الكهرباء: دور الهيئة الناظمة في تمكين اللامركزية

تُعدّ اللامركزية الإدارية خطوةً ضروريةً وحلاً لا غنى عنه في ظلّ ما أثبتته عقود من التجربة المريرة، إذ أفضت المركزية المفرطة إلى احتكار السلطة وإدارة فاشلة وهدر متراكم، وانتهت بانهيار منظومة المرافق العامة في لبنان، من قطاع الكهرباء والمياه والاتصالات وصولاً إلى إدارة النفايات وسواها من الخدمات الأساسية.

تمثّل البلديات واتحاداتها إحدى أبرز تجليات اللامركزية الإدارية، وهي في جوهرها نموذج حكومي مصغّر يضطلع بإدارة الشأن المحلي. غير أن هذه البلديات لم تُمنح حتى الآن الإمكانات الكافية ولا الحرية والاستقلالية اللازمتين لتولّي ملف الخدمات وتطويره وتأمينه ومعالجة إشكالياته، سواء في إطار البلدية المنفردة أو ضمن الاتحادات التي تنتمي إليها. ويبقى ضعف التمويل وغياب الإيرادات المحلية عائقَيْن رئيسيَّيْن أمام تحوّل هذه البلديات إلى محركات فعلية للتنمية المحلية. بيد أن المعالجة الجدية لهذا الملف كانت واجبة منذ أمد بعيد، وما يجري اليوم من مساعٍ، وإن جاء متأخراً، يبقى أفضل من الانتظار إلى الغد.

أزمة الكهرباء: تشخيص بنيوي

تتشكّل أزمة الكهرباء في لبنان من طبقات متداخلة ومتراكبة. تقف مؤسسة كهرباء لبنان في طليعة هذه المنظومة المعطوبة، إذ أُسِّست وفق قانون احتكاري حصر تأمين خدمات النقل والتوزيع والإنتاج في يدها دون سواها. وعلى الرغم من صدور قانون تنظيم قطاع الكهرباء عام 2002 الذي نصّ على إنشاء هيئة ناظمة لكسر هذا الاحتكار وحلّ الإشكاليات المتراكمة، فإن القطاع ظلّ رهين الاحتكار حتى اليوم. وحين تشكّلت الهيئة الناظمة بعد انتظار طويل، جاءت مرفقةً بقوانين جديدة معقّدة لم تُفضِ بدورها إلى أي حلٍّ ناجع، كقانون الطاقة الموزعة مثلاً.

يُضاف إلى ذلك إشكالية إدارة المؤسسة ذاتها؛ إذ يستوجب القانون تعيين سبعة أعضاء في مجلس إدارتها مع اختيار رئيس من بينهم، إلا أن المؤسسة ظلّت تعمل في ظل رئاسة مجلس منذ عام 2002 دون مسوّغ قانوني واضح، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول استمرار وزراء متعاقبين في تجاهل هذا الواقع.

أما الهيئة الناظمة، فلا تزال غائبة الأثر، ولم تُعلن عن أي رؤية أو توجهات واضحة، وهو أمر لافت ومستغرب. ولا يزال المرسوم التطبيقي الخاص بها معلّقاً دون اعتماد، مما يحرمها من صلاحياتها التشغيلية الكاملة. ومن اللافت أن قانون عام 2002 ذاته يتضمّن مادة تنصّ على أن من يرغب في إنتاج الكهرباء للاستهلاك الخاص بحدود واحد ونصف ميغاوات لا يحتاج إلى رخصة أو إذن إنتاج، بل يكفيه الالتزام بشروط السلامة والمتطلبات الصحية، وهو حكم لم يُفعَّل حتى الساعة.

البلديات والطاقة المتجددة: الحل المتاح

يكمن الحل الجذري في المرحلة الراهنة في الانتقال نحو الطاقة المتجددة، ولا سيما الطاقة الشمسية، بوصفها الخيار الوحيد المتاح والفعّال في الظروف الاستثنائية التي يعيشها لبنان. فالتفكير في تمويل إنشاء معامل تعمل بالغاز أو محطات التغويز بات بعيد المنال في ضوء التطورات الراهنة، وهو لا ينتمي إلى منطق المرحلة.

تأسيساً على ذلك، تبرز البلديات واتحاداتها شريكاً محورياً في بناء منظومة طاقة محلية لامركزية، وذلك عبر التعاون مع القطاع الخاص في مشاريع الطاقة الشمسية. فالبلدية التي تُشرف على متعهد من القطاع الخاص لإنتاج الطاقة الشمسية وتوزيعها تتمتع بميزة الرقابة الميدانية الفعلية على شبكة ضيقة النطاق، وهي رقابة ممكنة ومجدية، على خلاف الرقابة التي تحاول مؤسسة كهرباء لبنان ممارستها على شبكة ممتدة عبر كامل التراب اللبناني، مما يجعل أي قدر من الطاقة المضخوخة عرضةً للهدر حتى قبل الحديث عن السرقة أو التعديات.

تمتلك البلديات والاتحادات البلدية والدولة مساحات واسعة يمكن تسخيرها لصالح المستثمرين من القطاع الخاص، فيُعفى المستثمر من أعباء استئجار الأراضي، مما يُخفّض تعرفة الطاقة الشمسية بشكل ملحوظ مقارنةً بتعرفة المولدات الخاصة من جهة، وبالتعرفة الغامضة والمرتفعة لمؤسسة كهرباء لبنان من جهة أخرى.

الأمن الطاقوي: ضرورة وطنية

يستوجب الأمن الطاقوي الوطني تأمين حدٍّ أدنى من الطاقة المضمونة لمرافق حيوية لا يمكن أن تعمل في ظلّ الانقطاع المتكرر، كالمطاحن ومصانع الأدوية والمستشفيات والمطار والأنفاق وسائر البنية التحتية. ولا يمكن ضمان هذا الأمن الطاقوي في الأفق المنظور إلا عبر الطاقة الشمسية، من خلال إنتاج لامركزي يقوم على الشراكة بين البلديات والقطاع الخاص، في ظل إشراف ورقابة الهيئة الناظمة واشتراطات دفتر الشروط والشراء العام.

كذلك تتيح الطاقة الشمسية فرصة ثمينة لتشغيل محطات ضخ المياه بكلفة أدنى بكثير مما تتطلبه اليوم من اعتماد على مؤسسة كهرباء لبنان أو المولدات الخاصة، مما يجعلها خطوة مزدوجة العائد على مستوى الخدمات الأساسية.

تجدر الإشارة إلى أن المباني الرسمية والمدارس والمرافق العامة التابعة للدولة تمثّل مساحة واسعة لم تُستثمر بعد في مجال الطاقة الشمسية، وهي فرصة استراتيجية لا يجوز تضييعها، خاصةً في ضوء إمكانية تمويلها عبر هبات ومساعدات خارجية.

إشكالية التوازن في الإنماء

تُثار مخاوف مشروعة بشأن احتمال تحوّل اللامركزية إلى مربعات مغلقة تعكس الانقسامات الطائفية والمناطقية القائمة. غير أن المقارنة الموضوعية تكشف أن هذه المربعات المركزية القائمة حالياً لا تقلّ إشكاليةً عن أي مربعات محلية متوقّعة. فعلى النطاق المحلي الضيق، يصبح الأهالي المعنيون مباشرةً بالخدمة أقدرَ على رصد الخلل وتحديد مواطنه، بينما يظلّ التلزيم المركزي عاجزاً عن الوفاء بالتزاماته كما هو الحال في ملف النفايات، إذ يتهدد أي يوم أن يتوقف نهائياً.

أما إشكالية التفاوت بين البلديات الغنية والبلديات الفقيرة، فلا يُقلَّل من شأنها، إلا أن البلديات ليست مطالبة بالتمويل الذاتي للمشاريع، بل إن دورها يقتصر على التعاون مع القطاع الخاص وتنسيق الشراكات، وهو دور لا يرتبط بالضرورة بحجم الميزانية البلدية. فضلاً عن أن القوانين الصادرة حديثاً تتجه نحو تعزيز الإيرادات البلدية عبر رسوم إضافية، مما يعزز قدرة البلديات على الاضطلاع بهذا الدور.

يبقى الهدف الجوهري للامركزية هو تحقيق التوازن في الإنماء بين مختلف المناطق اللبنانية، وهو هدف لن يتحقق في ظلّ الغياب المستمر لأي مبادرة جدية من وزارة الطاقة التي تملك الصلاحية المباشرة للانطلاق بهذا التحول، بغضّ النظر عمّا قد يطرحه المشرّعون والكتل النيابية من مقترحات.

اضغط هنا للاستماع للمقابلة كاملة على اذاعة RLL