يتبيّن من قراءة المؤشرات الراهنة أنّ الحديث عن تعافٍ اقتصادي في لبنان سابق لأوانه. تُظهر الحركة الاقتصادية الحالية تحسّناً طفيفاً قياساً بفترة الحرب، لكنها تبقى حركة مؤقتة لا ترتقي إلى مستوى التعافي الحقيقي. كان من المتوقع أن يسجّل الاقتصاد نمواً بنحو 4 بالمئة في عام 2026، غير أنّ الحرب قلبت هذه التقديرات، فباتت التوقعات تشير إلى انكماش يقارب 6.4 بالمئة. تُضاف إلى كلفة الدمار والكلفة الإنسانية خسائر اقتصادية مباشرة تطال النمو. يزيد من صعوبة الوضع عامل خارجي هو ارتفاع أسعار النفط عالمياً، إذ يدخل النفط في إنتاج السلع كافة، من توليد الكهرباء إلى الزراعة والتبريد والنقل. ترتفع نتيجة ذلك أكلاف الإنتاج، فيتغذّى التضخم ويتعمّق الركود في آن واحد. يُعدّ مجلس النقد (Currency Board) أبرز الإصلاحات المطروحة لإنقاذ الاقتصاد اللبناني، إذ يعالج الاستقرار النقدي ويعيد الحياة إلى القطاع المصرفي
يتطلب التعافي الحقيقي حزمة إصلاحات متكاملة تبدأ بإعادة تفعيل القطاع المصرفي. تُجمع القطاعات الإنتاجية على أنّ التمويل هو أكبر مشكلاتها. تحتاج الشركات المستوردة والمصدّرة إلى اعتمادات مصرفية لتسديد ثمن بضائعها، وتحتاج الشركات الراغبة في التوسع والتوظيف إلى قروض. يعجز المواطنون كذلك عن الحصول على قروض سكنية أو قروض سيارات، فيقف القطاع العقاري شبه مشلول. تشكّل معالجة أوضاع المصارف إذاً شرطاً أساسياً لاستعادة النمو، إذ لا ينمو اقتصاد من دون قطاع مصرفي فاعل.
يتمثل الإصلاح الثاني في تفكيك الاحتكارات التي تكبّل النمو في قطاعات عدة. تحتكر مؤسسة كهرباء لبنان إنتاج الكهرباء وتقدّم خدمة رديئة، ولا يجد المواطن بديلاً شرعياً، فيلجأ إلى بدائل غير شرعية باهظة الكلفة. يفتح تفكيك الاحتكار المجال أمام شركات خاصة تتنافس على تقديم خدمة أفضل، ويمنح المواطن حرية الاختيار بين المزوّدين. تنعكس هذه الخطوة على الزراعة والصناعة والخدمات عبر خفض الكلفة التشغيلية. ينطبق الأمر نفسه على قطاعي الطيران والاتصالات، فقد أدّى احتكار الاتصالات إلى خنق القطاعات التكنولوجية ودفع أمهر المهندسين اللبنانيين إلى الهجرة بحثاً عن فرص عمل.
يتعلق الإصلاح الثالث بالموازنة العامة. تستهلك الرواتب والأجور نحو 60 بالمئة من النفقات العامة، في حين يُفترض ألا تتجاوز النسبة 20 بالمئة وفق المعدل العالمي. لا يعود السبب إلى ارتفاع الرواتب، فهي متدنية فعلاً، بل إلى تضخّم عدد الموظفين الذين دخلوا القطاع العام عبر المحسوبيات والاعتبارات السياسية والانتخابية. يقتضي الإصلاح تقليص هذا العدد وتوجيه الوفر المتحقق نحو رفع أجور الموظفين المنتجين، ويستلزم كذلك خفض الضرائب عن المواطنين ليتمكنوا من الاستثمار والعمل. يجدر التنويه بوجود موظفين كثر في القطاع العام يعملون بجدّ ويحملون أعباء دوائرهم بأكملها، وهؤلاء أحقّ بأجور عادلة. ترتفع إيرادات الدولة في موازنة 2026 بنسبة 15 بالمئة في اقتصاد ينكمش بنحو 6.4 بالمئة، وتُقدَّر زيادتها في 2027 بنحو 8 بالمئة مقابل نمو متوقع بنحو 4 بالمئة. يعني ذلك تحميل القطاعات المنتجة عبئاً ضريبياً يتسارع أكثر من نمو الاقتصاد، وهو مسار يخنق البلاد ولا يمكن استمراره. تموّلت النفقات العامة سابقاً من أموال المودعين ثم من التضخم بين عامي 2019 و2023، ولم يعد أيّ من الخيارين متاحاً اليوم.
يتمثل الإصلاح الرابع في إنشاء مجلس نقد (Currency Board). يبدو الاستقرار النقدي الحالي ظرفياً ومرتفع الكلفة، فقد انخفضت الكتلة النقدية من نحو 84 تريليون ليرة إلى قرابة 60 تريليوناً، وشهد سعر الصرف ضغوطاً في فترة الحرب قبل أن يهدأ. دار نقاش حاد حينها حول استخدام احتياطات الدولارات لتثبيت سعر الصرف أو ردّها إلى المودعين. يقوم مجلس النقد على تغطية الليرة المتداولة بالدولار بنسبة مئة بالمئة وفي جميع الأوقات. تُقدَّر الكتلة النقدية المتداولة بالليرة بأقل من مليار دولار وفق سعر الصرف الحالي البالغ نحو 89,500 ليرة للدولار، ما يعني إمكان تغطيتها بالكامل. تمتنع الجهة المصدِرة عن طباعة أي ليرة إضافية ما لم يقابلها دولار في الصندوق، ويستطيع كل راغب في تحويل ليرته إلى دولار أن يفعل ذلك. تتحول الليرة بذلك إلى نسخة طبق الأصل عن الدولار، فتنتفي الضغوط على سعر الصرف وتتراجع الفوائد من نحو 15 بالمئة إلى مستويات قريبة من فوائد الدولار.
يعالج مجلس النقد مشكلة الليرة ولا يحلّ مشكلة الدولار، إذ تبقى الفجوة المالية بحاجة إلى قانون خاص. يمهّد المجلس مع ذلك الطريق أمام هذا القانون، فتستعيد المصارف قدرتها على الإقراض بالليرة، وتنتعش الدورة الاقتصادية، وتتحقق أرباح تسهّل إعادة هيكلة المصارف وتساعدها على ردّ جزء أكبر من الودائع. اعتمدت دول عدة هذا النظام في ذروة أزماتها، ومنها هونغ كونغ واستونيا وبلغاريا والبوسنة والهرسك، وقد جمعت بعضها بين أزمات مصرفية واقتصادية وأمنية. يعزل النظام العملة عن الصدمات الداخلية أياً كان مصدرها، ويبقى الدولار العملة المرجعية الأنسب للبنان بحكم درجة الدولرة المرتفعة فيه. يخلص هذا التحليل إلى أنّ البدائل الأخرى، من استمرار نظام التثبيت الحالي إلى التعويم، لا تحقق الاستقرار المطلوب في اقتصاد مدولر، ولا تعيد الثقة بالليرة.