يتأثر الاستثمار، بمعناه الواسع، بعوامل عدة، منها الضرائب وكلفة التشغيل وسهولة الإجراءات الإدارية والتجارة عبر الحدود، غير أنه يتأثر كذلك بعامل أساسي هو سيادة القانون. ويطرح قانون العفو العام، من هذا المنطلق، إشكالية تتجاوز حدود المستفيدين منه، إذ تطال صورة لبنان الاقتصادية وقدرته على جذب الاستثمارات.
يقوم الاقتصاد على التبادل بين الأطراف المختلفة، وترتكز التعاملات بينها على الثقة بأن من يعطي كلمة أو يتلقى وعداً سيجد من ينفّذه. وحين يخلّ أحد الطرفين بتعهداته، يبرز دور الإدارة والحكومة ومجلس النواب، مجتمعةً أو منفردةً، في ضمان احترام الالتزامات وحماية حقوق المتعاملين.
وتدفع قرارات العفو العام الناس إلى الاعتقاد بأن من ارتكب خطأً يمكنه أن يطوي الصفحة ويبدأ من جديد، فيما يعني ذلك في الواقع الهروب من معالجة المشكلة الفعلية وحلّها بطريقة مختلفة. ويؤدي هذا النهج إلى اهتزاز الثقة في التعاملات الاقتصادية، وينعكس سلباً على الاقتصاد، ويدفع المستثمرين إلى الابتعاد.
ولا تقتصر الرسالة التي تصل إلى المستثمر على هوية المستفيدين من العفو، بل تشمل كذلك مدى استقرار القواعد القانونية وقدرة المؤسسات على تطبيقها من دون استنسابية أو تغييرات مفاجئة. ويكتسب هذا العامل أهمية خاصة في بلد مثل لبنان، يعاني أصلاً من تحديات تتصل بالإجراءات الإدارية والعبء الضريبي وحرية ممارسة الأعمال. ويزيد أي اهتزاز إضافي في الثقة بسيادة القانون من تردد المستثمر، اللبناني قبل الأجنبي، لأن الاستثمار يحتاج بطبيعته إلى استقرار طويل الأمد، لا إلى ضمانات تتبدل مع كل استحقاق.
وكان الأجدى اتخاذ قرار أو وضع قانون يعالج أصل المشكلة، بدلاً من العفو عن الجميع دفعةً واحدة. ويمكن، في بعض الحالات، تسريع المحاكمات، واتخاذ إجراءات بحق أشخاص أمضوا في التوقيف مدةً طويلة، تعادل ما كانوا سيقضونه لو ثبتت إدانتهم. كما ينبغي أن تتركز المعالجة على جوهر المشكلة، وهو النقص في القدرة القضائية، من خلال تعزيزها واعتماد إجراءات تكميلية تسهّل سير العدالة.
وتوجّه هذه الخطوات إشارة واضحة إلى أن سيادة القانون في لبنان بخير، أو أنها تتعافى، أو أن العمل جارٍ على تعزيزها. أما الإعلان عن فتح صفحة جديدة والبدء من الصفر، فيعكس العجز عن تحديد ما ينبغي فعله لمعالجة الخلل القائم في المنظومة القضائية.