اختبار صندوق النقد: لماذا يتعثر لبنان في تنفيذ الإصلاحات منذ 7 سنوات؟

بلغ لبنان مرحلة مفصلية في مفاوضاته مع صندوق النقد الدولي، وهي مرحلة سبق أن وصل إليها في عام 2022 حين وُقّع اتفاق على مستوى الموظفين مع الصندوق. واشترط ذلك الاتفاق تنفيذ مجموعة من الإجراءات المسبقة كي يتحول إلى برنامج ممدَّد يتضمن دعمًا ماليًا على شكل قروض ميسّرة وطويلة الأجل. غير أن عدم التزام لبنان بالشروط الإصلاحية آنذاك أدى إلى سقوط الاتفاق. وفي عام 2025، حقق لبنان خطوات عدة، أبرزها تعديل قانون السرية المصرفية، وإصدار قانون إعادة هيكلة المصارف وتعديله بما ينسجم مع متطلبات الصندوق. وتبقى شروط أساسية معلّقة، في مقدمتها قانون الفجوة المالية المعروف بالانتظام المالي، إضافة إلى الإصلاحات البنيوية والهيكلية.

تكمن المشكلة في قدرة لبنان على تطبيق الشروط بجدية، لا في الشروط ذاتها. فقد تعرّض قانون إعادة هيكلة المصارف لطعن أمام المجلس الدستوري، وطال الطعن المادة الثالثة التي تحدد صلاحيات الهيئة المصرفية العليا، وهي مادة قد تتعارض مع شروط الصندوق، ما قد يعيد المسار إلى نقطة الصفر. أما قانون الفجوة المالية وتوزيع الخسائر، وهو الشرط الجوهري لدى الصندوق، فلا يُتوقع أن يصدر بصيغة متكاملة قبل عام 2028 على أقل تقدير. ويطلب الصندوق فصل هذه القوانين عن بعضها وتطبيق قانوني إعادة هيكلة المصارف أولًا، بهدف إعادة بناء قطاع مصرفي سليم قادر على مكافحة الاقتصاد النقدي وتبييض الأموال، مع أن القانون الحالي يربط التطبيق بقانون الفجوة.

لم يحقق لبنان تقدمًا كبيرًا في الإصلاحات منذ سبع سنوات. فقد أُقرّت بعض القوانين، لكن تنفيذها على الأرض ما زال يصطدم بعراقيل كبيرة. ويعود ذلك جزئيًا إلى مقاومة الإصلاح حفاظًا على مصالح معينة، ولا سيما في القطاع المصرفي، حيث يخشى بعض المستفيدين من الأزمة المحاسبة الفعلية والإقصاء. ويعود جزء آخر إلى الظروف التي يعيشها البلد منذ أكتوبر 2023 مع دخوله في الحرب، وما رافقها من تفاقم للمشكلات الاقتصادية. وقد أحرز لبنان في عام 2025 تقدمًا ملحوظًا، إذ تحقق فائض كبير في ميزان المدفوعات، وأُقرّت إصلاحات أساسية وموازنة متوازنة، وازدادت الإيرادات العامة، قبل أن تتفاقم الأمور في عام 2026 وتزداد الضغوط على الاقتصاد.

يتجاوز الدين العام اللبناني الرقم المتداول بمقدار الضعف أو أكثر. فالمبلغ المذكور، وهو نحو 46 مليار دولار، يمثل سندات اليوروبوندز وديون لبنان بالعملة الأجنبية مع فوائدها، وقد توقف لبنان عن سدادها منذ عام 2020. ويضاف إلى ذلك فجوة في القطاع المصرفي تعادل نحو 80 مليار دولار، وهي التزامات لصالح المودعين، فضلًا عن ديون أخرى، منها أكثر من ملياري دولار للعراق مقابل الكهرباء، وقروض للمؤسسات الدولية مثل البنك الدولي لتمويل برامج الأمان والمساعدات الاجتماعية. وقد يبلغ مجموع هذه الالتزامات نحو 130 مليار دولار، أي ما يتجاوز 400% من الناتج المحلي الإجمالي المقدّر بنحو 30 مليار دولار في أفضل الأحوال.

ويشترط الصندوق خفض نسبة الدين إلى الناتج إلى 100% أو أقل، ما يعني تقليص الدين إلى أقل من 30 مليار دولار. ويتطلب ذلك إعادة هيكلة الدين الخارجي والتفاوض مع حاملي سندات اليوروبوندز، وهو أمر لم يحصل ولا تتوافر جدية في المضي فيه حاليًا. ويتطلب كذلك معالجة الفجوة المالية وحلّ مشكلة المودعين، أي ديون الدولة ومصرف لبنان تجاه المصارف والمؤسسات والمودعين.

يدفع لبنان فاتورة مرتفعة نتيجة اعتماده المتزايد على الاستيراد. وقد تراجعت كميات المستوردات قليلًا خلال الأشهر الثمانية الأولى من هذا العام، لكن قيمتها ارتفعت بفعل التضخم العالمي. ويبقى لبنان معزولًا عن الأسواق العالمية منذ تخلّفه عن السداد، فلا تفاعل خارجيًا مع ما يجري فيه، والدليل استمرار مؤسسات التصنيف الدولية، مثل موديز وفيتش وستاندرد آند بورز، في تصنيفه عند مستوى التخلف المقيّد. كما يفتقر البلد إلى القدرة على التحكم بالفوائد لمعالجة الوضع.

اعتمدت الحكومة منذ عام 2024 سياسة تقشفية، وتشمل الموازنات للأعوام 2025 و2026 و2027، وقد أُحيلت الأخيرة إلى مجلس النواب. وهي موازنات متوازنة لأنها لا تأخذ كلفة الدين في الحسبان، إذ تساوي الإيرادات فيها النفقات. وتمتنع الحكومة عن الإنفاق، ولا سيما بالليرة اللبنانية، وتزيد جباية الضرائب والرسوم، وتودع حصيلتها في حساب خاص يُعرف بالحساب 36 في مصرف لبنان، وقد تجاوز رصيده 20 مليارات دولار، منها نحو مليار دولار بالعملة الأجنبية والباقي بالليرة.

وتحجم الدولة عن الإنفاق على المساعدات الاجتماعية والبنى التحتية والإعمار والاستثمار وزيادة الرواتب لسببين: أولهما تفادي زيادة الضغط على سعر صرف الليرة، لأن أي إنفاق قد يرفع الطلب على الدولار، وثانيهما التحضير للمرحلة المقبلة المتمثلة في إعادة هيكلة الديون وتعويض المودعين، وهي مسؤوليات كبيرة تقع على عاتقها.

اضغط على الرابط التالي لمشاهدة المقابلة على قناة QBC