في لبنان، لم تعد الوظيفة الواحدة كافية لتأمين حياة كريمة. فمع ارتفاع كلفة المعيشة وتراجع القدرة الشرائية، يضطر كثير من اللبنانيين إلى العمل بوظيفتين أو أكثر لتغطية حاجاتهم الأساسية. وبين ضغط الساعات الطويلة والإرهاق المستمر، يبرز السؤال: هل أصبح تعدد الوظائف حلاً مؤقتاً، أم واقعاً اقتصادياً مفروضاً على اللبنانيين؟
الأسباب التي تدفع اللبناني إلى العمل بأكثر من وظيفة
“هناك سببان رئيسيان يدفعان بعض اللبنانيين اليوم إلى العمل في أكثر من وظيفة”، يؤكّد الباحث في المعهد اللبناني لدراسات السوق خالد أبو شقرا في حديث خاص لـ Pen Media مضيفاً أنّ “يتمثل السبب الأول في تراجع قدرة المؤسسات، في القطاعين العام والخاص، على دفع رواتب مرتفعة. فحتى عام 2026، لا تزال الرواتب، في أفضل الأحوال، تعادل نحو 50 إلى 60% مما كانت عليه قبل الانهيار الاقتصادي عام 2019”.
أما السبب الثاني، حسب أبو شقرا، فيتمثل في ارتفاع كلفة المعيشة، التي زادت بين عامَي 2023 و2026 بنحو 77% بالدولار. أي إن ما كان يمكن شراؤه بمئة دولار عام 2023 بات يحتاج إلى نحو 177 دولاراً اليوم. وهذا الواقع يدفع المواطنين إلى العمل في أكثر من وظيفة لتأمين نفقاتهم الأساسية.
ويبلغ متوسط الأجور حالياً في لبنان نحو 700 دولار، في حين تتجاوز كلفة المعيشة الأساسية لأسرة مؤلفة من أربعة أو خمسة أشخاص 1200 إلى 1300 دولار شهريًا، من دون احتساب تكاليف التعليم الجيد، والاستشفاء، والتأمين الصحي، والملابس وغيرها من الاحتياجات الضرورية. لذلك، يجد كثير من اللبنانيين أنفسهم مضطرين إلى العمل في وظيفة ثانية لتأمين أبسط متطلبات الحياة.
هل الرواتب الحالية كافية لتغطية كلفة المعيشة؟
“نحو 70 إلى 80% من الرواتب الحالية، في القطاعين العام والخاص، لا تكفي لتغطية متطلبات الحياة الأساسية، وذلك نتيجة الارتفاعات الكبيرة في الأسعار”، يشرح أبو شقرا مشيراً إلى أنّ “يعود جزء من هذه الزيادات إلى عوامل ظرفية مرتبطة بازدياد التضخم وارتفاع كلفة الطاقة والنقل، فقد ارتفع سعر البنزين بنحو 116%، في حين ارتفع سعر المازوت بنحو 126%، وما زالت هذه الزيادات مؤثرة حتى هذا العام، ففي المقابل، هناك جزء آخر من ارتفاع الأسعار يرتبط بعوامل بنيوية، نتيجة عدم تنفيذ الإصلاحات الأساسية في الاقتصاد اللبناني، ولا سيما ما يتعلق بالموازنة وإصلاح القطاع العام. وهذا الواقع يدفع الدولة إلى فرض ضرائب غير مباشرة على الاستهلاك لتمويل نفقاتها، الأمر الذي يرفع كلفة السلع والخدمات ويزيد الأعباء على المواطنين”.
الحلول التي يمكن أن تعيد للوظيفة الواحدة قدرتها على تأمين حياة كريمة
“الحديث عن زيادات كبيرة في الأجور في القطاعين العام والخاص يُعدّ، في هذه المرحلة، طرحًا شعبويًا أكثر منه حلًا اقتصاديًا مستدامًا”، يلفت أبو شقرا، موضحاً أنّ “المنطق الاقتصادي يفرض اليوم العمل على خفض تكاليف المعيشة، لأن خفض النفقات يعادل، إلى حدّ كبير، زيادة الدخل”.
فعلى سبيل المثال، إذا كان المواطن يدفع نحو 200 دولار شهريًا مقابل الكهرباء، بين اشتراك المولد وكهرباء الدولة والحلول البديلة التي يعتمدها في منزله، ثم انخفضت هذه الكلفة إلى 50 دولارًا، فهذا يعني أنه وفّر 150 دولارًا شهريًا، وكأن دخله قد ارتفع بالقيمة نفسها. وينطبق الأمر ذاته على تكاليف النقل والمياه والاتصالات وغيرها من الخدمات الأساسية.
وبحسب قول أبو شقرا، “لا يمكن خفض هذه التكاليف إلا من خلال إنهاء احتكار الدولة للقطاعات الأساسية، مثل الكهرباء والمياه والاتصالات، وفتحها أمام المنافسة، بما يعزز تنافسية الاقتصاد اللبناني. كما يجب تطوير النقل العام، وليس بالضرورة من خلال مؤسسات تملكها الدولة، بل عبر شركات خاصة تتولى تشغيل مشاريع النقل وفق نظام الشراكة بين القطاعين العام والخاص، مثل نظام البناء والتشغيل ونقل الملكية “BOT””.
فعلى سبيل المثال، بدل أن تنتقل مئة سيارة يومياً من البقاع إلى بيروت، يمكن إنشاء خط للقطار تديره شركة خاصة، ما يخفف عدد السيارات على الطرقات ويقلل كلفة النقل بشكل كبير.
ويختم أبو شقرا حديثه بالقول: “هذه هي الحلول المنشودة اليوم في لبنان، لا المطالبة الشعبوية بزيادة الأجور فقط؛ لأن زيادة الكتلة النقدية، في ظل انكماش اقتصادي يبلغ نحو 8%، قد تنعكس سلبًا على الاقتصاد، فتزيد التضخم وتفاقم المشكلات القائمة. والاقتصاد اللبناني، في وضعه الحالي، قد لا يكون قادرًا على تحمّل نتائج هذه الزيادات”.
