يشهد لبنان موجة جديدة من الإضرابات والتحركات النقابية، تشمل الجامعة اللبنانية ومستخدمي المياه وقطاع النقل البري، وتدور حول بدل النقل وتصحيح الرواتب والأجور. يبقى السؤال الأهم: هل تعالج هذه الزيادات جذور الأزمة، أم تكتفي بتخفيف الاحتقان؟
قدرات محدودة وواقع اقتصادي ضاغط
تدرك النقابات أن قدرة القطاعين العام والخاص على رفع الأجور محدودة في ظل الظروف الراهنة. يسجّل الاقتصاد انكماشاً يقدّره البنك الدولي بنحو 8%، ويتحدث أصحاب العمل عن تراجع في النشاط يتراوح بين 30 و50%. تعتمد الدولة في المقابل سياسة تقوم على امتصاص السيولة وتعقيم السوق من النقد، خشية أي تأثير على سعر الصرف تكون تداعياته على الأسعار والقدرة الشرائية أخطر بكثير. تقع النقابات بين حرج أمام قواعدها وسعي إلى انتزاع أكبر قدر ممكن من المكتسبات. يضاف إلى ذلك أن كثيراً منها لا ينفصل عن الحسابات السياسية، ما يجعلها عرضة للضغوط والقرارات الحزبية.
بدل النقل تنفيس لا حل
يمثّل بدل النقل تنفيساً للاحتقان أكثر منه معالجة فعلية. يبقى المبلغ المقرر عاجزاً عن تغطية كلفة التنقل اليومي، ولا سيما من خارج بيروت حيث تتضاعف الكلفة. يصعب كذلك أن تؤمّن الدولة مبلغ 12 مليون ليرة، أي نحو 120 دولاراً، لكل سائق، لأن إمكاناتها لا تسمح بتعويض جميع المتضررين.
المشكلة في النفقات لا في المداخيل
ترتفع كلفة معيشة أسرة من أربعة أفراد من نحو 900 دولار إلى 1200 دولار شهرياً، بزيادة تقارب 40%. يرتفع التعليم 35% والترفيه 45% والإيجارات 35% بين تموز 2025 وتموز 2026، فيما زادت أسعار البنزين 120%. يبلغ التضخم المتراكم منذ عام 2023 نحو 77%، ما يعني أن الأجر الثابت خسر قرابة 44% من قدرته الشرائية.
تعود جذور هذا التضخم إلى الاحتكارات في القطاعين العام والخاص، وإلى ارتفاع كلفة الفواتير على المواطنين. رفعت الدولة إيراداتها بنحو 3.5 مليارات دولار منذ عام 2023 عبر رسوم الاستهلاك، لتمويل قطاع عام متضخم يضم نحو 320 ألف موظف.
زيادات بلا غطاء مالي
ارتفع عدد الرواتب في القطاع العام من أربعة إلى 19 راتباً، وتتواصل المطالبة بالوصول إلى 30. تتوقع موازنة 2027 نمواً سنوياً في الإيرادات بين 4.5% و5% فقط، وهو أقل بكثير من كلفة الزيادات المطلوبة، فتُموَّل من خارج الموازنة والأطر القانونية. يحذّر صندوق النقد الدولي من أي نفقات جديدة بلا إيرادات جديدة، ما يعني مزيداً من الضرائب والرسوم على المواطنين. تؤكد تجربة سلسلة الرتب والرواتب عام 2017 خطر الزيادات الشعبوية غير المدروسة، إذ تلتها الأزمة بعد أشهر قليلة، من دون أن تكون هي سببها.
الأجر الاجتماعي بديلاً
يقدّم «الأجر الاجتماعي» مساراً أكثر استدامة، ويقوم على خفض كلفة الكهرباء والمياه والاتصالات والنقل. تمتص هذه البنود الأربعة بين 70% و80% من متوسط دخل الأسرة البالغ نحو 700 دولار. يتحقق خفضها بتفكيك الاحتكارات في القطاعين العام والخاص، وفتح باب المنافسة، وتأمين خدمات بأسعار معقولة.
الحد الأدنى للأجور وتحديات القطاع الخاص
يستدعي الواقع إعادة النظر في فكرة الحد الأدنى للأجور، والاعتماد بدلاً منها على التنافسية ونمو القطاعات في تحديد المداخيل، على غرار النموذج الدنماركي الذي لا يفرض حداً أدنى ثابتاً. تنال القطاعات النامية، كالتكنولوجيا، أجوراً أعلى، ما يشجع التنافس ويحقق نمواً شاملاً. تكمن مشكلة القطاع الخاص مع رفع الحد الأدنى في تعويضات نهاية الخدمة والضمان الاجتماعي أكثر مما تكمن في قيمة الزيادة نفسها. يبقى نصف العمالة تقريباً خارج الاقتصاد المنظم والمصرّح عنه، فلن تصل إليه الزيادات أصلاً.
تؤكد هذه المعطيات أن الإصلاحات البنيوية للقطاع العام وخفض كلفة الخدمات أكثر إلحاحاً من زيادة الرواتب، لأن الزيادة بلا إصلاح تعود بارتفاع موازٍ في الأسعار. يحفظ الاستقرار النقدي القائم الاقتصاد من مزيد من التضخم، وتتطلب حمايته الابتعاد عن إنفاق يرفع الطلب على الدولار في ظل تراجع التدفقات الخارجية.