لبنان بين التعافي الوهمي وواقع الانهيار: هل نعيش مرحلة “التأقلم” مع السقوط؟

يشهد واقع اقتصاد لبنان تبايناً حاداً بين استقرار نقدي ظاهري وواقع معيشي خانق يثير تساؤلات حول طبيعة المرحلة الراهنة، وما إذا كان البلد في طور التعافي الفعلي أم أنه يغرق في “تأقلم” قسري مع الانهيار. يسيطر الحذر على التوقعات المتعلقة بسعر صرف الليرة مقابل الدولار، حيث يبرز تساؤل جوهري حول مدى ديمومة هذا الاستقرار التقني والنقدي وقدرته على الصمود أمام الضغوطات السياسية والأمنية المتزايدة. ورغم توفر الدولار حالياً في الأسواق، إلا أن هناك مخاوف تقنية وسياسية من قفزات مفاجئة في سعر الصرف، تغذيها شائعات أو تحليلات قد تستهدف تحريك الشارع في ظل غياب الحلول الجذرية.

تؤكد البيانات المالية تراجع الاحتياطيات الإلزامية بالعملة الأجنبية لدى مصرف لبنان، رغم التدخلات الموضعية لضبط السوق، مما يعكس الضغط الناتج عن ارتفاع كلفة الاستيراد وزيادة الطلب على العملة الصعبة. وتعتمد آلية الاستقرار الحالية على تنسيق تقني بين وزارة المالية ومصرف لبنان، حيث يتم شراء الدولار من السوق عبر جهة موحدة للحد من المضاربة التي كانت سائدة قبل عام 2023. ومع ذلك، لا يُعتبر هذا الاستقرار إنجازاً اقتصادياً بحد ذاته، بل هو أقصى ما يمكن تحقيقه لتجنب التضخم المفرط وحماية القدرة الشرائية المتبقية للموظفين والشركات.

تنتقل السياسة الاقتصادية في عام 2025 نحو محاولة إقرار قوانين إصلاحية، مثل تعديل قانون السرية المصرفية وإعادة هيكلة المصارف، تمهيداً للتعاون مع صندوق النقد الدولي. إلا أن نشوب الحرب والنزوح الواسع أدى إلى عرقلة هذه الجهود وزيادة الأعباء المالية، مما أعاد البلاد إلى المربع الأول في معالجة “الفجوة المالية”. وترتفع نسب الدين العام مقارنة بالناتج المحلي، في ظل تراجع المساعدات الدولية المباشرة واعتماد لبنان المتزايد على القروض لتدبير شؤون النازحين.

يستوجب الخروج من دوامة الانهيار البدء بإصلاحات هيكلية شاملة، تبدأ من إعادة رشق القطاع العام الذي يستنزف نحو 75% من الموازنة العامة في حين يظل غير منتج ومعطلاً لمصالح البلاد. وتتطلب هذه العملية تحويل المؤسسات العامة إلى الخصخصة أو إدخال القطاع الخاص في إدارتها لرفع الكفاءة واستيعاب أصحاب الخبرات، بدلاً من الاعتماد على التوظيف الانتخابي والحلول الترقيعية. كما يبرز ضرورة معالجة العجز التجاري التاريخي الذي فاقمته الضرائب غير المدروسة على الاستيراد، والتي أضعفت تنافسية الصادرات اللبنانية في الأسواق الخارجية.

ينتهي المسار الحالي إلى ضرورة التخلي عن الأوهام الاقتصادية القديمة، والاعتراف بخسارة لبنان لموقعه كبوابة عبور تجارية أو مركز تعليمي وطبي في المنطقة لصالح جهات أخرى. ويتطلب التحول نحو الاقتصاد الحديث تطوير قطاع الاتصالات والبنية التحتية التكنولوجية، مع الحفاظ على الأصول الوطنية مثل احتياطي الذهب واستخدامه بحكمة في إطار قانوني يضمن حقوق المودعين بعيداً عن الهدر التاريخي للموارد. فالاستمرار في سياسات التأجيل دون إصلاحات حقيقية سيؤدي حتماً إلى انهيار أبطأ وأعمق يستنزف ما تبقى من طاقات بشرية ومادية.

اضغط هنا لمشاهدة المقابلة على اذاعة لبنان الحر