يسعى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي إلى مواكبة الضغوط المعيشية المتصاعدة التي يرزح تحتها الموظف اللبناني، في ظل سباق متواصل بين مستويات الأجور وارتفاع الأسعار الذي لا يهدأ. وفي هذا السياق، دخل مرسوم جديد حيز التنفيذ مطلع شهر أيار، يقضي برفع سقف الكسب الخاضع للاشتراكات والاقتطاعات إلى ثمانية وعشرين مليون ليرة لبنانية شهرياً، بزيادة بلغت نسبتها خمسة وخمسين بالمئة مقارنةً بالسقف السابق، فضلاً عن تعديل منظومة التقديمات العائلية والتعليمية بما يتناسب مع متطلبات المرحلة الراهنة.
تأتي هذه الخطوة محاولةً للتخفيف من وطأة الانهيار الاقتصادي الحاد الذي أفقد الأجور قيمتها الفعلية على مدى السنوات الأخيرة، غير أن التساؤل المطروح يبقى حول مدى قدرة هذه التقديمات المعدّلة على مجاراة الكلفة الحقيقية للمعيشة في ظل تدهور مستمر لمستوى الخدمات والبنية الاجتماعية.
يُعدّ الملف الصحي من أبرز الملفات الحيوية التي تمسّ حياة المواطن اللبناني بصرف النظر عن جنسيته أو وضعه الاجتماعي. إلا أن المقاربة السائدة القائمة على رفع سقف التقديمات لا تُشكّل في حد ذاتها حلاً جذرياً وشاملاً، إذ يستدعي الإصلاح الحقيقي معالجة الأعباء غير الضرورية التي تثقل كاهل المنظومة، وتهيئة البيئة الملائمة لتعزيز إنتاجية المواطن وقدرته على الاعتماد على ذاته، بدلاً من ترسيخ ثقافة الاتكاء الدائم على الدعم والمساعدات الحكومية.
يمتد النقاش ليتجاوز مصلحة الموظف الفرد، ويطرح تساؤلات جوهرية حول استدامة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي ذاته وقدرته على الاستمرار في أداء دوره. فكل زيادة في التقديمات تُرتّب أعباءً مالية إضافية على الصندوق، في وقت تظل فيه إشكاليات التمويل والإيرادات عالقةً دون حلول واضحة، مما يُلقي بظلاله على مستقبل هذه المؤسسة وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها على المدى البعيد.
وفي مواجهة هذه التحديات البنيوية، تبرز الحاجة الملحّة إلى إصلاح هيكلي عميق يُعيد رسم طبيعة عمل الصندوق وآليات تمويله. ومن أبرز الأفكار المطروحة في هذا الشأن، تحويل الانتساب إلى الضمان من نظام إلزامي إلى نظام اختياري على غرار صناديق التعاضد وشركات التأمين الخاصة، مما يُتيح للصندوق الانخراط في بيئة تنافسية تدفعه نحو تطوير خدماته وتحسين أدائه، واكتساب الخبرات اللازمة للارتقاء بمستوى الحماية التي يوفرها لمنتسبيه.
يُفضي هذا التحوّل إلى وضع الصندوق في موقع المنافس الحقيقي للمنتجات التأمينية والاجتماعية المتاحة في السوق، بدلاً من بقائه مؤسسةً احتكارية تفتقر إلى حوافز الإصلاح والتجديد. ويرى المتخصصون في الشأن الاقتصادي أن استمرار الصندوق في ضخ الأموال دون إصلاح بنيوي حقيقي يُشكّل مخاطرةً غير محسوبة بمستقبل منظومة الحماية الاجتماعية في لبنان، ويستوجب اغتنام هذه المرحلة الانتقالية لإرساء قواعد عمل جديدة تضمن الاستدامة المالية والفاعلية في تقديم الخدمات.