وسط انقسام سياسي، لبنان يقر موازنة 2026. ما هي شوائبها وايجابياتها؟

أقرّ مجلس النواب اللبناني موازنة 2026 بأغلبية 59 صوتاً مقابل معارضة 34 صوتاً، بعد نقاشات مطولة استمرت ثلاثة أيام. تستهدف الموازنة عدم وجود عجز مالي، حيث تشمل إيرادات ونفقات بقيمة 5.97 مليار دولار لكل منهما، وسط زيادة بعض الرسوم وعدم وجود سلم رواتب جديد.

يُعتبر تحقيق عجز صفري أمراً غير ممكن، إذ لم تحتسب الموازنة نفقات كثيرة متوجبة هذا العام، منها قروض البنك الدولي بقيمة تتجاوز 1.8 مليار دولار، وقروض العراق المستحقة بقيمة 1.2 مليار دولار، وسندات اليوروبوند بقيمة 30 مليار دولار تصل إلى 45 مليار مع فوائدها، علماً بأن لبنان متخلف عن سدادها منذ 2020.

تستأثر الرواتب والأجور بنحو 50% من الموازنة، وسط احتجاج العسكريين المتقاعدين على عدم زيادة رواتبهم. ركّز معظم النواب على كيفية زيادة الإيرادات لتمويل نفقات الدولة، دون أي حديث عن تخفيض النفقات. يستأثر القطاع العام بحوالي 4.5 إلى 5 مليارات دولار من أصل نفقات بقيمة 6 مليارات، تذهب على الرواتب والتقديمات والإيجارات، بينما لا تنتج المؤسسات التابعة للدولة سوى مليار دولار.

تُمول هذه النفقات من الضرائب التي تشكل 83% من الإيرادات، منها 73% ضرائب غير مباشرة من الرسوم الجمركية والقيمة المضافة. تؤدي زيادة الرواتب دون إعادة هيكلة القطاع العام إلى إعطاء الموظفين باليد اليمنى وأخذ منهم باليد اليسرى عبر الضرائب والتضخم.

أقرّت الموازنة توحيد سعر الصرف عند 89,500 ليرة للدولار، وهو ما ساعد عليه توقف الدولة عن الإنفاق خلال 2024 و2025 وتحقيق فائض في الخزينة بمقدار 8.9 مليار دولار، معظمه بالليرة نتيجة سياسة شبه تقشفية واعتماد مصرف لبنان سياسة مجلس النقد.

يُهدد هذا التوازن بالاختلال نتيجة العودة للإنفاق دون حساب، والشهية المفتوحة على الفائض لإعادة الإعمار والرواتب وتعويض المودعين. قد يؤدي ذلك لتدهور سعر الصرف ورفع التضخم والمزيد من الاختلالات.

تكشف المقارنة مع موازنة 2025 (4.7 مليار دولار) أن هناك أكثر من مليار دولار يجب تأمينه، سيتأتى معظمه من رفع الرسوم على الاستهلاك الداخلي بمئات وآلاف المرات. يُقدر عائد قطاع الاتصالات بـ400 مليون دولار فقط، بينما كان يتجاوز المليار في بداية الألفية، وما زالت الكهرباء تحقق عجزاً.

يتفاقم الخلل في ظل وجود عشرات المؤسسات دون مبرر لوجودها كاليسار ووزارة المهجرين، تتطلب إعادة هيكلة جدية. يرى المراقبون أن هذه موازنة إجرائية لا تمس جذور الأزمة ولا تتضمن إصلاحات هيكلية أو خطة رواتب أو إعادة إعمار.

تبدو الموازنة دفتر محاسبة يوازن بين المطلوبات والموجودات عند 6 مليارات دولار، بدلاً من كونها خطة إنمائية تحدد التوجه الاقتصادي. تبقى أسئلة جوهرية معلقة: هل نحن في اقتصاد ليبرالي أم موجه؟ هل نحفز الاستثمار أم نفرض ضرائب على المواطنين؟ هل نحصّل الرسوم أم نجذب الاستثمارات الخارجية؟ هذا هو مكمن خطورة موازنة تبدو مصدر جدل كثيف في لبنان.

اضغط هنا لمشاهدة المقابلة على قناة CNBC Arabia