معمل الذوق الحراري: مرفأ بيروت “2”؟

الحراري

أكثر من 3 أعوام مرّت على إطلاق تحذيرات بشأن مواد كيميائية مخزنة في المعمل الحراري لشركة كهرباء لبنان في ذوق مكايل، تشكّل خطراً كبيراً على أهالي المنطقة وسكانها. وها نحن اليوم وبعد 3 أعوام، ندور في فلك الفساد عينه، أضف عليها حلقة جديدة من مسلسل المحسوبيات والصفقات السياسية “من تحت لتحت”. يجري كل ذلك على حساب صحة المواطن، فيما ينتظر المعنيون اللحظة الأخيرة للتحرك قبل وقوع الكارثة الكبرى.
المشكلة بالتخزين؟
فبعد سنوات من إطلاقه الصرخة الأولى، عاد رئيس بلدية ذوق مكايل الياس البعينو ورفع الصوت مجدداً قبل أسابيع قليلة، محذراً من أن المواد الكيميائية الموجودة داخل المعمل ممكن أن تتحوّل الى مواد أكثر خطورة بمرور الوقت، خاصة في ظل وجود شركة “كورال” المستوردة للمحروقات على بعد أمتار منه ما يعني أن اشتعالاً أو اختلاطاً بسيطاً للمواد من شأنه أن يؤدي إلى كارثة.
وفي حين طالب البعينو أهالي بلدتي ذوق مصبح وذوق مكايل بالنزول إلى الشارع في حال لم يتم إزالة المواد، يأخذ عليه معنيون بالملفّ تراجعه عن التحذير من مدى خطورة المواد بعد أيام قليلة من بيانه التحذيري الأول، وقد حاول “لبنان 24” التواصل معه بهدف مزيد من الإستفسار عن هذا الشأن، إلا أنه لم يلقَ جواباً.
وبينما نفذ الأهالي وقفة بحضور بعض النواب احتجاجاً على بقاء المواد المخزنة في المعمل، أصدرت البلدية بياناً أشارت فيه إلى أن “وزير البيئة ناصر ياسين طمأن الحاضرين إلى عدم وجود مادة نيترات الأمونيوم في معمل الذوق الحراري”.
كما أكد ياسين أن أغلبية المواد الموجودة في المنشأة موضبة بصورة علمية واحترافية، إلا أن تخزين بعض المواد جاء مخالفاً للأصول والشروط العلمية، وقد عرض المساعدة للتواصل مع المعنيين في مؤسسة كهرباء لبنان للإشراف على توضيبها بشكل علمي.
وفي هذا الإطار، اعتبر رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال لبنان والمنسق العام الوطني للتحالف اللبناني للحوكمة الرشيدة مارون الخولي أن المشكلة الأساسية في معظم المؤسسات الكبرى في لبنان هي أنها تتعاطى بخفة مع موضوع السلامة العامة، وهو نهج لبناني سببه قلة الرقابة وردع المخالفات.
لجنة وغرفة عمليات
وعاد الخولي عبر “لبنان 24” إلى أساس مشكلة المواد الكيميائية الخطرة في شركة الكهرباء، قائلاً إن جولات أقيمت على مثل هذه الأماكن والمعامل عقب انفجار مرفأ بيروت لمعاينة المواد، وجرى آنذاك توضيبها من قبل شركة ألمانية في عنابر داخل شركة الكهرباء. إلا أنه في عام 2021 قررت شركة الكهرباء أنه يجب ترحيل هذه المواد بموافقة وزارة البيئة بالإنسجام مع المعايير الدولية المطلوبة، إلا أن الملف توقف ولم يتم استكمال الأوراق .
وقال الخولي: “بسبب تخوّف أهالي المنطقة والصرخة الأولية التي أطلقها رئيس بلدية ذوق مكايل، تحرّكنا بدورنا بوجه شركة الكهرباء التي أكدت أن لا مواد خطرة، لكننا لم نكتف بالبيانات التي أطلقتها، فاتفقنا مع وزير البيئة على تشكيل غرفة عمليات وتوجهنا إلى شركة الكهرباء من دون أي قيد أو شرط مع عدد من النواب والناشطين البيئيين وعاينّا المكان وما فيه”.
وأضاف: “ولأن الهدف هو توضيب المواد الخطرة وأيضاً إعادة ترحيل بعضها، اتفقنا مع وزارة البيئة على تشكيل لجنة مهمتها تأمين هذا المسار خلال مدة شهرين، وإذا نجحت المهمة فسنطوي هذه الصفحة نهائياً”.
وعن سبب إثارة هذا الملف في الواقت الراهن وليس من قبل خلال هذه السنوات الثلاث، شدد الخولي على أن التحالف لم يدرِ بالموضوع إلا لدى إطلاق رئيس بلدية الذوق صرخته الأولى.
وفي هذا الإطار، أشار إلى أن البلديات لا تقوم بدورها الصحيح خاصة في ظل عجز الدولة إلا أن لها أجنداتها أيضاً، علماً أن عملها يكمن بإصلاح أوضاع الناس في ظل عجر الدولة وتقاعسها.

فوضى عارمة
بدوره، إعتبر المدير العام السابق للإستثمار والصيانة في  وزارة الطاقة والخبير في المعهد اللبناني لدراسات السوق LIMS غسان بيضون أن الفوضى تعمّ في كل مخازن ومنشآت شركة كهرباء لبنان، مشدداً على أن إجراء المناقصة استلزم وقتاً كبيراً للتخلص من المواد المذكورة الخطرة والمضرة والتي حصل “لبنان 24” على جدول بها.

وفي حديث لـ”لبنان 24″، شدد بيضون على أنه يجب الإسراع في تلزيم قضية المواد الكيميائية في معمل الذوق الحراري للتخلص منها بأسرع وقت ، لافتاً إلى أن تعبير “سوء توضيب” الذي يوصف حالة المواد بعد جولة وزير البيئة، يعني منع وصولها لأذية الناس.
وقال: “تارة كان الوضع مستعجلاً وخطراً ما يستدعي التحرك الفوري، تارة أخرى رأينا أنه استغرق أشهراً عدّة”، معتبراً أنه في كل مرة يجري فيها استدراج عروض يتمّ تركيب “ديل ما”.
خلاف سياسي
وأشار إلى خلاف مستحدث “مع جناح من التيار الوطني الحر تمثل مؤخراً بمناكفة بين مدير عام المؤسسة كمال حايك وبعض المنتمين للتيار على خلفية ترفيعات في المؤسسة ليست على هوى البعض من التيار”.
وكشف عن مشكلة أخرى في الذوق، تكمن في أن خزانات المحروقات الجديدة لا تحترم مواصفات الأمان المحددة، ما يشكّل خطراً على السكان فضلاً عن أن منطقة الذوق بشكل عام باتت مليئة بالسموم بسبب الدواخين وعمل المعمل الحراري.
وكشف بيضون عن ظاهرة ترك بعض الجباة الفواتير لدى نواطير البنايات وبالدولار الأميركي كي يستفيدوا من الفروقات ثم يصرّفونها لليرة اللبنانية، ليتحولوا بالتالي إلى صرّافين، على حد تعبيره.
لم يشفَ اللبنانيون بعد من دمار انفجار الرابع من آب. وما يزيد على ألمهم ألماً، هو بزوغ كلل فجر جديد من دون محاسبة ولو مسؤول واحد عمّا حصل. فكيف ستنطفأ نيران الألم بداخلنا ما دمنا عرضة لخطر تكرار نفس السيناريو ؟

اضغط هنا لقراءة المقال على موقع Lebanon24