هل تعود طوابير الذل لتغزو الأفران؟

هل تعود طوابير الذل لتغزو الأفران؟

يشكل الخبز هاجساً تاريخياً في لبنان، إذ تصاحب ربطة الخبز المتظاهرين في معظم التظاهرات المعيشية. وتعود أهمية الخبز إلى كونه يشكّل مادة غذائية أساسية على أي مائدة، ولا سيما اللبنانية، حيث لا يمكن تناول عدد من الأطعمة الرئيسة دون الخبز. ويعمل العديد من المواطنين في مجال تحضير هذه السلعة الأساسية وتوضيبها وتوزيعها. كما يدخل الخبز العربي في تحضير العديد من الوجبات السريعة التي تقدمها المطاعم، وخصوصاً الصغيرة منها. ويتأثر العمال في هذه القطاعات بعدم توفر الخبز، وذلك لتأثُّر الطلب على خدماتهم سلباً بغياب هذه السلعة.

 لذا، فقد سعت الحكومة اللبنانية لضبط سعر الخبز، وتحديداً “الخبز العربي” عن طريق تحديد سعر ووزن ربطة الخبز. وقد تزامنت الإجراءات الحمائية مع مد وجزر مستمرين بين الحكومة والأفران تزايدت وتيرته ليتحول إلى كباش مع بداية الأزمة الاقتصادية في لبنان. وقد تحولت الإضرابات التحذيرية إلى عجز عن الإنتاج، وأصبح توقف الأفران عن العمل أمراً متكرراً.

وقد بات اللبنانيون يعانون من انقطاع متكرر للخبز منذ بداية الأزمة. ويظهر الرسم البياني رقم 1 الوتيرة المتكررة للانقطاع منذ مطلع العام 2022. ويتهافت المواطنون على شراء الخبز في فترات انقطاعه بغية شرائه قبل نفاد الكمية. وتنتج عن هذا الإقبال طوابير انتظار عُرِفت بطوابير الذل لدلالتها على إذلال المواطنين أمام أبواب الأفران.

ولم يقتصر الأمر على إهانة المواطنين، بل نتجت عن التدافع الهائل في أيام ذروة الانقطاع إشكالات بين المواطنين عرضت سلامتهم للخطر. وقد تكررت حوادث العنف في أكثر من مرّة حتى دار الجدال عما إذا كان لغير اللبنانيين الحق في شراء الخبز المدعوم.

وقد دفعت الأجواء المضطربة على أبواب الأفران بالعديد من اللبنانيين نحو خيارات أكثر تكلفة مثل شراء الخبز من “السوق السوداء” بثمن أعلى تفادياً للانتظار، بينما اختار البعض الآخر شراء خبز من النوع غير المدعوم الذي يتوفر بكثرة. وقد امتهن البعض الوقوف في الطوابير لشراء كميات كبيرة من الخبز المدعوم بغية بيعها بسعر أعلى، بينما فضّل البعض الآخر توظيف آخرين لشراء الخبز لصالحهم ليبيعوه في السوق السوداء.

ويدعم مصرف لبنان استيراد القمح المخصص لصناعة الخبز العربي بكلفة شهرية تبلغ 15 مليون دولار. وبالرغم من هذه الكلفة المرتفعة، فقد تراجعت نوعية الخبز المدعوم وباتت التساؤلات تُطرَح بشأن نوعية الطحين المستخدم وجودته وصولاً إلى ما إذا كان أصلاً صالحاً للاستخدام البشري.

ويظهر الرسم البياني رقم 2 ارتفاع كمية القمح المستوردة في العام 2022 مقارنةً بالأعوام السابقة. وبالرغم من ارتفاع الكمية المتوفرة من القمح في لبنان، يعجز المواطنون عن العثور على ربطة الخبز بسهولة.

هذا ولم يكف الدعم لاستقرار سعر ربطة الخبز، ولا حتى وزنها. وتقوم وزارة الاقتصاد بتعديل كل من وزن الربطة وسعرها على الدوام. فبعد أن عمدت إلى تقليص الوزن منذ ما قبل الأزمة عدة مرات، عادت واعتمدت حجماً إضافياً لربطة الخبز التي تسميها “كبيرة”، وأصبحت الربطة الكبيرة سابقاً تعتبر “متوسطة”. ويظهر الرسم البياني 3 تقلّب وزن ربطة الخبز بينما يظهر الرسم الباني 4 تقلب سعرها.

وفي المحصلة، لم تنفع المحاولات الرسمية لتأمين الخبز للبنانيين على الرغم من التكلفة المرتفعة للدعم والسياسات الحمائية المتبعة. وبات من الضروري إعادة النظر في السياسات الحالية كي يتوفر الخبز للمواطن والمطاعم التي تحتاجه