يتصاعد في لبنان عدد الدعوات الصادرة عن المسؤولين إلى معالجة أزمة الكهرباء، التي باتت تستنزف أكثر من نصف رواتب الموظفين نتيجة ارتفاع أسعار المحروقات. ودفع هذا الواقع إلى طرح خطة لإقامة شراكة بين الدولة والقطاع الخاص عبر عقود «البناء والتشغيل والتحويل» (BOT).
يُعدّ هذا النوع من العقود، من حيث المبدأ، شكلاً من أشكال التعاون بين القطاعين العام والخاص. وينظّم القانون رقم 48 الصادر عام 2017 العلاقة بين الطرفين ويحدّد أصولها. ويقضي القانون بأن يشكّل المجلس الأعلى للخصخصة لجنة خاصة بكل مشروع، تضم الهيئة الناظمة المعنية بالمشروع وممثلاً عن المؤسسة أو الإدارة صاحبة الشأن. ثم تتولى هذه اللجنة إعداد دفتر الشروط وإطلاق المناقصة وفق الأصول المعتمدة.
يفرض الواقع اللبناني نفسه في هذا الملف، إذ يُجمع الخبراء على أن الحل الحقيقي والمستدام يكمن في اعتماد اللامركزية في إنتاج الكهرباء. ويتطلب ذلك السماح للبلديات والمناطق بإنشاء محطات توليد صغيرة، تعتمد في الأساس على مصادر الطاقة المتجددة، بما يخفف الضغط عن الشبكة المركزية ويقلّص كلفة الإنتاج على المواطنين.
يتمثل الاتجاه المطروح حالياً في التحول نحو لامركزية الإنتاج والتوزيع معاً. ويستدعي ذلك تعديل قانون إنتاج الطاقة المتجددة الموزعة، بحيث يُجيز للبلديات، بالتعاون مع القطاع الخاص، إنتاج الكهرباء وتأمينها لنطاق مجموعة القرى التي تنتمي إليها. ويسهّل هذا النموذج ممارسة الرقابة على العملية، لأن نطاق العمل يبقى محدداً وواضحاً.
يتيح هذا الإطار كذلك تنظيم العلاقة مع مؤسسة كهرباء لبنان على أسس سليمة. فتمنح المؤسسة الموزّع الملتزم حق الامتياز في منطقة محددة، ويتولى الموزّع بدوره تسديد المستحقات المترتبة عليه لها. وبذلك يتراجع الهدر الذي يثقل كاهل القطاع، وتنحسر خسائر الشبكة، وتتوقف التعديات والتعليقات غير المشروعة عليها. ويتحمل الموزّع مسؤولية ضبط الشبكة العائدة له ضمن نطاقه الجغرافي، فتتحدد المسؤوليات بوضوح، ويصبح تحسين الخدمة ومحاسبة المقصّرين أكثر يسراً.
يُظهر هذا الطرح أن الجمع بين الإطار القانوني للشراكة مع القطاع الخاص ونموذج الإنتاج اللامركزي القائم على الطاقة المتجددة قد يشكّل مدخلاً عملياً لمعالجة أزمة الكهرباء، شرط توافر الإرادة السياسية والرقابة الفعّالة في التنفيذ.