تراجعت القيمة الشرائية لمئة دولار أمريكي بشكل ملحوظ مقارنة بالفترة السابقة. كانت هذه القيمة تكفي سابقاً لتأمين احتياجات نصف شهر من المواد الغذائية الأساسية كاللحوم والبيض والألبان، أما اليوم فلم تعد تفي بهذا الغرض. يلاحظ أي شخص يتوجه إلى السوبر ماركت أن كيساً ونصف الكيس من المشتريات بات يمثل الحد الأقصى لما يمكن تأمينه بهذا المبلغ. تجاوز هذا التراجع في القيمة الشرائية موضوع تبدّل سعر صرف الليرة اللبنانية، إذ يتعلق الأمر هنا بتراجع قيمة الدولار الأمريكي بحد ذاته، لا بفارق العملة المحلية. اعتاد الناس سابقاً أن يشتروا بمبلغ المئة دولار مؤناً تكفي عائلاتهم لطبخ الطعام على مدى أسبوعين أو ثلاثة أسابيع، بينما لا يؤمّن هذا المبلغ اليوم شيئاً يُذكر.
يعود هذا التراجع إلى عاملين رئيسيين. يتمثل العامل الأول في التضخم الذي شهدته الولايات المتحدة الأمريكية، والذي بدأ خلال جائحة كورونا، حين لجأت السلطات الأمريكية إلى طباعة كميات كبيرة من الدولار لدعم المواطنين الملتزمين بالحجر المنزلي بهدف احتواء انتشار الجائحة. أدى هذا الإجراء إلى خسارة الدولار الأمريكي جزءاً من قيمته الحقيقية، وهو ما يُعرف بالتضخم المستورد الذي انتقلت آثاره إلى الاقتصادات الأخرى المرتبطة بالدولار، ومنها لبنان.
يتمثل العامل الثاني في الحرب التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإيران، والتي أدت إلى إغلاق مضيق هرمز وتوقف تصدير النفط عبره. ترتب على انقطاع إمدادات النفط ارتفاع عام في أسعار جميع السلع، نظراً لدخول النفط في كل مراحل الإنتاج والنقل. يستلزم استيراد أي بضاعة إلى لبنان استهلاكاً للنفط في نقلها عبر البواخر، وقد أدى ارتفاع أسعار النفط إلى زيادة كلفة التأمين على الشحن البحري، إضافة إلى ارتفاع كلفة النقل البحري بشكل عام. يدخل النفط بذلك في تركيبة كلفة كل سلعة تقريباً، بدءاً من الطاقة وصولاً إلى المواد الاستهلاكية اليومية، مما يفسر الارتفاع الملحوظ في الأسعار وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين.