تثير الاستقالات الأخيرة في الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء تساؤلات جدية حول مصير المسار الإصلاحي الذي طال انتظاره في واحد من أكثر قطاعات الدولة استنزافاً للمال العام وإثارةً لنقمة اللبنانيين. وُلدت الهيئة في أيلول الماضي بعد ثلاثة وعشرين عاماً من المماطلة، وحملت يومها صفة الحجر الأساس لانتظام القطاع، وشكّلت أحد الشروط الجوهرية التي يطلبها المانحون لإثبات جدية لبنان في الإصلاح. غير أن أقل من عام مرّ على ولادتها كشف مفارقة ثقيلة، إذ وجدت الهيئة الناظمة التي أُريد لها أن تكون عنواناً للحوكمة والاستقلالية والشفافية نفسها في قلب أزمة استقالات وغياب، قبل أن تتمكن من فرض حضورها في قطاع ينهار يومياً تحت أعين الدولة.
تتركز الاستقالات في عضوين من أصل خمسة أعضاء، يقيم الاثنان خارج لبنان ولم يكونا مستعدَّين لترك أعمالهما هناك قبل البدء بتقاضي رواتبهما في لبنان، في ظل ظروف أمنية واقتصادية صعبة دفعتهما إلى تفضيل الاستمرار في أعمالهما الخاصة خارج البلاد. ويواصل الأعضاء الثلاثة الباقون العمل بجدّ رغم غياب أبسط مقومات العمل المؤسسي، من مكتب ثابت ورواتب منتظمة وموازنة تشغيلية، ما يعكس إشكالية أعمق تتصل بعدم تزويد الهيئة الناظمة منذ البداية بالإمكانات اللازمة لممارسة دورها.
تباشر الهيئة، رغم هذه العوائق، العمل على إعداد الدراسات اللازمة لتفكيك احتكار مؤسسة كهرباء لبنان وفصل قطاعات الإنتاج والنقل والتوزيع عن بعضها بعضاً، بالتعاون مع جهات دولية كالبنك الدولي وشركة كهرباء فرنسا، تمهيداً لفتح باب المنافسة أمام شركات خاصة في الإنتاج والتوزيع. وتحققت حتى الآن خطوات أولية تشمل وقف استدانة مؤسسة كهرباء لبنان من خزينة الدولة، وتسهيل تراخيص الطاقة الشمسية والمتجددة، إضافة إلى تقليص تدخل وزارة الطاقة في إعادة هيكلة القطاع لمصلحة الهيئة المستقلة.
يبقى السؤال الأهم متصلاً بما إذا كانت البيئة المؤسسية المحيطة بـ الهيئة الناظمة كفيلة بحمايتها وتمكينها من أداء دورها، أم أنها ستلتحق بسلسلة طويلة من المؤسسات التي وُلدت تحت عنوان الإصلاح ثم انتهت أسيرة التعطيل الذي قيل إنها جاءت لكسره. وينتظر أن يشكّل تعيين بديلين عن العضوين المستقيلين خطوة أولى نحو استئناف العمل وإظهار نتائج ملموسة في المرحلة المقبلة.