رغم تثبيت وكالة Moody’s التصنيف الائتماني السيادي للبنان عند مستوى C مع نظرة مستقبلية مستقرة، لا تزال المخاطر المالية والاقتصادية تُخيّم على المشهد اللبناني، في ظل غياب الإصلاحات البنيوية واستمرار تراجع الثقة المحلية والخارجية بالاقتصاد، بحسب ما أكده الباحث في المعهد اللبناني لدراسات السوق المحامي كارابيد فكرجيان لموقعنا Leb Economy.
وأوضح فكراجيان أن “الوكالات العالمية والمنظمات الدولية لم تعد تتعامل بجدية مع الوعود المتكررة بالإصلاح من دون أي تنفيذ فعلي”، لافتاً إلى أن “الانهيار النقدي في لبنان بدأ منذ صيف عام 2019 قبل أحداث تشرين الأول، ثم تبعته الانهيارات المالية والأزمات المتلاحقة، ما أفقد المجتمع الدولي ثقته بالقدرة على معالجة الأزمة عبر التعهدات فقط”.
ورأى أن “تثبيت التصنيف عند هذا المستوى لن ينعكس سلباً بشكل كبير على صورة الاقتصاد اللبناني، باعتبار أن الثقة الخارجية وصلت أساساً إلى مستويات متدنية جداً، وأن المؤشرات الاقتصادية اللبنانية باتت في أسوأ مراتبها عالمياً”، معتبراً أن “الرهان الدولي اليوم يتركز على وجود نية فعلية بالإصلاح واتخاذ قرار حاسم بالشروع بخطوات إصلاحية حقيقية”.
وأشار إلى أن “هذا التصنيف يعكس بطبيعة الحال استمرار المخاطر المالية والاقتصادية”، موضحاً أن “الأزمة الحالية ليست نتيجة قرار صادر عن وكالة التصنيف بحد ذاته، بل نتيجة أداء الدولة اللبنانية والسياسات التي أوصلت البلاد إلى هذا الواقع”.
وأضاف فكراجيان أن “لبنان يعاني أزمة ثقة كبيرة ومخاطر مرتفعة، خصوصاً في ظل غياب أي نية إصلاحية واضحة، الأمر الذي يدفع المزيد من الأشخاص إلى الابتعاد عن الاستثمار والعمل داخل البلاد”.
ولفت إلى أن “بعض الإجراءات التي كان يمكن أن تشكل فرصة لتحريك الاقتصاد، كالتراجع الفعلي في قيمة الرسوم نتيجة انهيار سعر الصرف، لم تُستثمر لتحفيز السوق وتشجيع الاستثمار، بل جرى رفع الرسوم مجدداً، ما أعاد الأمور إلى نقطة البداية وأبقى الواقع الاقتصادي في حالة تراجع مستمر”.
وأكد فكراجيان أن “ربط أي تحسن مستقبلي في التصنيف بإصلاحات جوهرية يُعد أمراً طبيعياً، لأن وكالات التصنيف تعكس الواقع القائم ولا تصنعه”، مشدداً على أن “المشكلة في لبنان بنيوية وتتعلق بالنظام الاقتصادي المعتمد، وليست مرتبطة فقط بقرارات ظرفية أو بتداعيات الحروب والأزمات العابرة”.
وأوضح أن “تحقيق نمو اقتصادي مستدام يتطلب معالجة جذرية لعدد من الملفات الأساسية، أبرزها الكهرباء والنقل الجوي والنقل البحري، إضافة إلى تخفيف الأعباء المفروضة على المستثمرين وتحسين بيئة الأعمال وتسهيل إجراءات الاستثمار”.
كما شدد فكراجيان على “ضرورة تعزيز تمويل الجهاز القضائي لتسريع عمل المحاكم وضمان حصول أصحاب الحقوق على أحكام قابلة للتنفيذ ضمن مهلة معقولة”.
وأشار أيضاً إلى أن “الأزمة النقدية وسعر الصرف لا يمكن معالجتهما بشكل مستدام من دون إصلاحات بنيوية في قانون النقد والتسليف”، مؤكداً أن “لبنان لا يواجه أزمة ظرفية أو كارثة طبيعية يمكن تجاوزها تلقائياً مع الوقت، بل يعاني خللاً عميقاً في النظام الاقتصادي والقوانين المعتمدة”.
وختم فكراجيان بالتأكيد على “ضرورة خفض الضرائب المرتفعة وتبسيط الإجراءات الإدارية وتسهيل منح الرخص وتحويل الرقابة إلى رقابة لاحقة تسمح للأفراد بإطلاق أعمالهم والاستثمار بحرية، على أن تتم المحاسبة عند المخالفة فقط”، معتبراً أن “استمرار الواقع الحالي سيُبقي لبنان ضمن التصنيفات المتدنية حتى في حال تلقيه مساعدات أو هبات خارجية أو تدفقات مالية من المغتربين”.
