كيف تنهب الحرب الاقتصاد وتُهدد الموارد السيادية؟

تشهد الساحة اللبنانية تحولات متسارعة على الصعيدين الأمني والاقتصادي، في ظل استمرار العمليات العسكرية التي تشنّها إسرائيل على أراضيه. وعلى الرغم من الإعلان عن وقف لإطلاق النار بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، أكدت إسرائيل أن هذا الاتفاق لن يشمل لبنان، مخالفةً بذلك ما كان قد أُعلن سابقاً من أن البلاد ستكون طرفاً في هذه التسوية.

تُفاقم الاشتباكات المستمرة بين إسرائيل وحزب الله الأوضاع الاقتصادية المتردية أصلاً منذ عام 2019، إذ يشهد البلد تدهوراً متواصلاً على مختلف المستويات. وتُلقي هذه الأزمة المركّبة بظلالها الثقيلة على حياة المواطنين اليومية، جراء موجة تضخم حادة وتراجع ملموس في القدرة الشرائية.

تسعى إسرائيل، وفق تقديرات المحللين والخبراء، إلى إنشاء منطقة أمنية في جنوب لبنان، وهو ما يُفسّر تصعيدها المتواصل في عمليات القصف والتوغل البري في المناطق الجنوبية. غير أن المساعي الإسرائيلية لا تقتصر على الأهداف الأمنية وحدها، بل تمتد لتشمل أبعاداً اقتصادية بالغة الأهمية؛ إذ يرى الخبراء أن ثمة مخططاً للسيطرة على جزء من المياه البحرية اللبنانية الغنية بالغاز الطبيعي، فضلاً عن نقاط استراتيجية في الجنوب. ويُشار في هذا السياق إلى احتمال إلغاء اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بغية الاستفادة من هذه الموارد. ويُضاف إلى ذلك البُعد المائي، حيث تُذكر نهرا الليطاني والزهراني حدوداً مقترحة للمنطقة الأمنية المزمع إنشاؤها، مما يكشف أن الأهداف الإسرائيلية تجمع بين الاعتبارات الأمنية والمصالح الاقتصادية في آنٍ واحد.

على صعيد التداعيات الاقتصادية المحلية، ارتفعت الأسعار بصورة لافتة منذ اندلاع الحرب، إذ تجاوزت نسبة الزيادة في أسعار السلع الأساسية ما بين 130% و150%، فيما بلغ سعر صفيحة البنزين نحو عشرة دولارات أمريكية. ويُعزو ذلك، وفق المحللين الاقتصاديين، إلى ارتفاع أسعار النفط عالمياً، واضطراب سلاسل التوريد، وتعطّل القطاع الزراعي جراء العمليات العسكرية التي أعاقت وصول المحاصيل إلى الأسواق.

يزيد من تعقيد المشهد غياب أي احتياطات مالية فعلية يمكن توظيفها لدعم العملة الوطنية أو تخفيف الأعباء عن كاهل المواطنين في زمن الحرب. وقد ثبت إخفاق المحاولات السابقة في هذا الشأن؛ فقد أُنفق ما يزيد على عشرين مليار دولار في إطار برنامج لدعم الأسعار دون أن تُسجَّل نتائج ملموسة على أرض الواقع.

أسفرت الحرب عن موجة نزوح داخلي واسعة النطاق من المناطق الجنوبية، تجاوز فيها عدد النازحين مليوناً ومئة ألف شخص. وفي مواجهة هذه الأزمة الإنسانية، انخرطت منظمات المجتمع الأرمني في لبنان والصليب الأحمر الأرمني في تقديم المساعدات الطبية والإنسانية للمتضررين. وقد أوكلت وزارة الصحة اللبنانية إلى مركز أراكس بولغورجيان الإشراف على ملجأين يستوعبان مئتين وستة وخمسين نازحاً قادمين من مناطق متعددة.

يُجسّد المجتمع الأرمني في لبنان نموذجاً للتماسك في مواجهة الأزمات، حيث تعقد الأحزاب السياسية الأرمنية اجتماعات دورية تنسيقية، وتتخذ مواقف واضحة ترفض الانجرار نحو التوترات الداخلية أو الانقسامات التي قد تُضعف النسيج المجتمعي في هذه المرحلة الدقيقة.

تُشكّل الأزمة الراهنة حلقة في سلسلة متواصلة من التحديات التي يعيشها لبنان منذ عام 2019، وقد بلغت ذروتها مع حرب الجنوب عام 2024. وعلى الرغم من فترة الهدوء النسبي التي أعقبتها، عادت حدة الأزمة لترتفع من جديد، في حين يترقب المواطنون بفارغ الصبر بوادر انفراج حقيقي ينعم فيه لبنان بالاستقرار والسلام.

اضغط هنا لمشاهدة النشرة كاملة على قناة Լուրեր