احتياطي لبنان بين الصمود والاختبار

يُقدَّر احتياطي لبنان من العملات الأجنبية لدى مصرف لبنان بنحو اثني عشر مليار دولار أمريكي، وقد شهد هذا الاحتياطي تراجعاً محدوداً في المرحلة الأولى من الحرب، قبل أن يعود تدريجياً إلى مسار الاستقرار النسبي خلال شهر نيسان، وذلك في ضوء جملة من الإجراءات التقشفية المتخذة وتحسين آليات إدارة السيولة.

يُضاف إلى ذلك احتياطي الذهب الذي يُقدَّر بنحو خمسة وأربعين مليار دولار، مما يُشكّل ركيزةً داعمة للموقف المالي العام للدولة. ويتبادر إلى الذهن التساؤل حول مدى تأثر هذا الاحتياطي في ظل المتغيرات الراهنة، وما إذا كان لا يزال يُوظَّف بوصفه أداةً محورية في الحفاظ على استقرار سعر الصرف وتأمين تمويل الاحتياجات الأساسية للاقتصاد الوطني.

تجدر الإشارة إلى أن مصرف لبنان يعتمد على احتياطياته من العملات الأجنبية بهدف دعم ثبات سعر صرف الليرة اللبنانية والحدّ من تذبذباتها. غير أن هذا الإجراء لا يُمثّل سوى جانب من الصورة الكاملة للسياسة النقدية المتبعة، إذ تتوقف الفاعلية الحقيقية لهذه الأداة على مجموعة من العوامل المتشابكة.

تُسجَّل في هذا الإطار خطوة نوعية بارزة تتمثل في نجاح مصرف لبنان في كبح التوسع في الكتلة النقدية بالليرة اللبنانية، وهو إنجاز يُحسب للمصرف المركزي بالقدر ذاته الذي يُحسب فيه للحكومة اللبنانية التي أحجمت عن اللجوء إلى الاقتراض منه. وقد أسهمت هذه السياسة الانضباطية في وقف التمدد في عرض الليرة ومنع تضخم الكتلة النقدية المحلية.

يترتب على ضبط عرض الليرة وتقليص معدلات نموها أثرٌ إيجابي مباشر، إذ يُفضي ذلك إلى تراجع ملحوظ في حجم الدولارات المطلوبة للتدخل في السوق عند الحاجة، مما يُعزز قدرة المصرف المركزي على الإبقاء على سعر صرف مستقر دون استنزاف الاحتياطيات بوتيرة مرتفعة.

تكشف هذه المعطيات مجتمعةً عن توجه واضح نحو سياسة نقدية أكثر انضباطاً وحصافة، قائمة على التوازن بين دعم سعر الصرف وصون الاحتياطيات الأجنبية. ويبدو أن التنسيق بين مصرف لبنان والحكومة اللبنانية يُشكّل عاملاً حاسماً في تحقيق الاستقرار النقدي المنشود، وإن ظلت التحديات البنيوية تستوجب إصلاحات شاملة لضمان الاستدامة على المدى البعيد.

اضغط هنا لمشاهدة المشهد الاقتصادي كاملصا على قناة الجديد