يطرح العرض القطري سؤالاً أساسياً: هل يمثّل خطة فعلية لإنقاذ قطاع الكهرباء، أم وعداً استثمارياً جديداً ينضم إلى الوعود السابقة؟ يستدعي الجواب مراجعة ما أصاب القطاع، وتحديد ما يميّز هذا العرض عن الخطط التي لم تبلغ مرحلة التنفيذ، وتقدير قدرة لبنان على الإفادة منه من دون إصلاحات جذرية.
شهد لبنان في مراحل سابقة تغذية في الكهرباء بلغت أربعاً وعشرين ساعة يومياً، وكانت معظم معامل الإنتاج صالحة للتشغيل. بدأ التراجع حين غابت الصيانة والمتابعة وانعدم التمويل اللازم لهما، فتدهور الإنتاج تدريجياً حتى وصلت التغذية في فترات إلى مستويات شبه معدومة. رأى بعض المعنيين أن ما جرى يشبه تدميراً ممنهجاً للمؤسسة، فيما اكتفى آخرون بالإشارة إلى غياب الإدارة الرشيدة والموارد. دفع هذا الواقع المواطنين إلى تأمين حاجاتهم بأنفسهم عبر الطاقة الشمسية والمولدات الخاصة. نجح هؤلاء لأن كل واحد منهم حرص على مصلحته وعمله، بينما أخفقت الدولة في أداء الدور نفسه.
يقترح العرض إضافة أكثر من ثلاثة آلاف ميغاواط من القدرة الإنتاجية، وهي كمية تكفي حاجات لبنان. يقوم جزء منها على الغاز، ويعتمد جزء آخر على الطاقة المتجددة، ويأتي جزء ثالث عبر الاستيراد من سوريا. يتجاوز العرض بناء المعامل إلى تأمين الغاز نفسه، سواء عبر الخط العربي الذي توقف بعد فترة من التشغيل، أو عبر محطة عائمة لتحويل الغاز المسال إلى غاز طبيعي في البحر. يخفّض هذا المسار كلفة الإنتاج بصورة كبيرة، لأن المعامل الحالية تعمل على الطاقة الحرارية ذات الكلفة المرتفعة.
اعتمد النهج السابق على مطالبة الدول والجهات المانحة بتحويل الأموال إلى الدولة لتصرفها بنفسها. يقوم النهج الحالي على أن تبني الشركة المعمل وتديره بنفسها. يضاف إلى ذلك أن المؤسسات الدولية والدول المانحة طالبت طويلاً بإصلاح الحوكمة، وقد تحقق جزء من ذلك بتشكيل هيئة ناظمة ومجلس إدارة جديد وفصل موقع المدير العام عن المجلس، كي يراقب المجلس الإدارة التنفيذية ولا يراقب نفسه. أثار هذا الإصلاح اهتمام نحو أربعين شركة بما طرحته الهيئة الناظمة، لأن المستثمر لا يدخل بلداً تغيب فيه الحوكمة.
يبقى الإنتاج وحده عاجزاً عن حل المشكلة. تتمثل العقدة الأساسية في الهدر التقني وغير التقني، من سرقة وتعدٍّ على الشبكة وعدم دفع الفواتير. يؤدي ذلك إلى غياب الإيرادات اللازمة لشراء الوقود وتشغيل المعامل، ولهذا لا يستثمر لبنان قدراته الإنتاجية الحالية بالكامل. يتطلب الحل الجذري إصلاح قطاع التوزيع بوصفه أولوية تواكب العرض القطري.
تعثّرت في الماضي مشاريع للطاقة المتجددة بقدرات تناهز مئة ميغاواط لأن أحداً لم يشتر إنتاجها، إذ لا تملك الدولة المال لشراء الطاقة. يعالج الحل المقترح هذه المعضلة بإنشاء سوق جملة للكهرباء على غرار الأسواق العالمية، يتنافس فيها المنتجون ويتعامل معهم الموزعون مباشرة.
يبدأ الإصلاح بفصل الإنتاج عن النقل والتوزيع داخل مؤسسة كهرباء لبنان، مع محاسبة مستقلة لكل معمل ولكل منطقة توزيع ولشبكة النقل. تسمح هذه المحاسبة المنفصلة بخصخصة القطاع على أسس تنافسية. يخضع الإنتاج والبيع بالتجزئة لمنطق المنافسة، بينما يشكّل النقل والتوزيع احتكاراً طبيعياً تضبطه الهيئة الناظمة عبر تحديد رسوم استخدام الشبكات.
ينبغي عند خصخصة الإنتاج تجنّب بيع جميع المعامل لشركة واحدة، حتى لا يتحول القطاع الخاص إلى احتكار. تستحق خصخصة التوزيع اهتماماً خاصاً، فتمتلك شركات خاصة الشبكة وتشتري الكهرباء بالجملة وتبيعها بالمفرق، وتملك حق قطع التيار عن غير الدافعين. يمنح هذا النموذج الشركات حافزاً لإصلاح الشبكة وتحصيل الفواتير، لأن كل خسارة تُقتطع من أرباحها.
يقدّم نظام البناء والتشغيل ونقل الملكية (BOT) حلاً أفضل من النموذج القديم الذي موّلت فيه الدولة المعامل وامتلكتها. اقترح بعض الخبراء نظام البناء والتشغيل والتملك (BOO) بديلاً، فتبقى ملكية المعمل للشركة التي تتولى صيانته، وتجدّد الدولة العقود كل عشرين سنة بأفضل الأسعار، بدلاً من استلام معمل متدهور بعد انتهاء العقد.
تتطلب التعرفة دراسة علمية دقيقة تجريها شركات متخصصة، وينبغي أن تكون متحركة ترتفع مع الكلفة وتنخفض عند تراجعها. تتضمن التعرفة الحالية نسبة هدر تقارب نصف الإنتاج، ويدفع المشتركون الملتزمون كلفة غير الملتزمين. يؤدي تحقق العرض القطري إلى خفض كلفة الإنتاج، فتنخفض التعرفة تبعاً لذلك. يبقى نجاح المشروع مرهوناً بإصلاح القطاع وتحرير إدارته من التدخلات السياسية.