في توقيت بالغ الحساسية، وعلى وقع استمرار الاعتداءات الإسرائيلية وتصاعد المخاوف على استقرار الجنوب، اكتسبت زيارة رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني إلى بيروت، يومي 15 و16 تشرين الأول، أهمية استثنائية، لما حملته من رسائل سياسية ودلالات تتجاوز حدود الدعم التقليدي للبنان.
فالدوحة جددت تمسكها بسيادة لبنان، وانسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة، وتعزيز دور الجيش والمؤسسات الشرعية، بالتوازي مع تحرك اقتصادي يشمل مشاريع الكهرباء وإعادة إعمار الجنوب، بالتنسيق مع واشنطن.
وبين تثبيت الموقف العربي الداعم للدولة اللبنانية وفتح آفاق التعافي الاقتصادي، تبرز الزيارة بوصفها مؤشرا إلى انخراط قطري متجدد في مساعدة لبنان على مواجهة استحقاقاته، وإن لم تحمل اختراقا معلنا في مسار الأزمة الأمنية.
وتعليقا على زيارة الوزير القطري وأهميتها ودلالاتها في هذا التوقيت، رأى الخبير لدى المعهد اللبناني لدراسات السوق غسان بيضون أن الزيارة تكتسب أهمية استثنائية في ضوء التجارب السابقة مع الدوحة، التي أدت دورا بارزا في مساعدة لبنان على تجاوز أزمات سياسية، ودعمت الجيش اللبناني، وقدمت مقترحات ومشاريع لمعالجة أزمة الكهرباء، معتبرا أن قطر قادرة على المساهمة في تمويل مشاريع حيوية، وفي مقدمها قطاع الكهرباء والبنى التحتية، شرط توافر التوافق الداخلي وحسن استثمار الفرصة المتاحة.
ولفت عبر منصة “بالعربي”، إلى دور قطر في معالجة أزمات سياسية عميقة، ودعم المؤسسة العسكرية، فضلا عن تقديم عروض ومقترحات لمعالجة أزمة الكهرباء، شملت محطات التغويز والطاقة الشمسية ومشاريع إنتاج الطاقة على نطاق واسع.
واعتبر بيضون أن الزيارة تأتي في سياق إقليمي بالغ التعقيد، تبرز فيه الحاجة إلى جهود عربية صادقة تساعد لبنان على الخروج من أزماته السياسية والأمنية والاقتصادية، وتحميه من مزيد من العزلة والتدهور، وتعيده إلى مساحة التوافق العربي. ووصف قطر بأنها من الدول الجادة في مساعدة لبنان، معربا عن تفاؤله بإمكان الاستفادة من هذه الفرصة، شرط توافر التفاهم الداخلي وحسن إدارة المشاريع المطروحة.
وفي هذا السياق، شدد على أهمية تفعيل الشراكة بين القطاعين العام والخاص، ولا سيما من خلال نظام البناء والتشغيل ونقل الملكية (BOT)، الذي يتيح للمستثمر تمويل المشاريع وإنشاءها وتشغيلها مدة زمنية محددة يسترد خلالها أمواله، قبل أن تنتقل ملكيتها إلى الدولة. ورأى أن هذا النموذج يمكن أن يشكل مدخلا عمليا لتنفيذ مشاريع البنى التحتية، من معامل إنتاج الكهرباء إلى المطارات والطرق وسواها، من دون تحميل الخزينة أعباء التمويل الأولي.
وفي ما يتصل بإمكان انفراج أزمة الكهرباء بفضل الدور القطري، أوضح بيضون أن معالجة الأزمة تتطلب مسارين متوازيين: الأول عاجل، يقوم على اتخاذ إجراءات داخلية تخفف من حدة الأزمة، ومعالجة العوائق التي تحول دون نهوض مؤسسة كهرباء لبنان، استنادا إلى اقتراحات الهيئة الناظمة، والثاني طويل الأمد، يرتكز على إنشاء معامل جديدة، وتطوير البنية التحتية، وتأمين مصادر مستدامة للطاقة، لافتا إلى أن الاستثمارات الخارجية، على أهميتها، لن تفضي إلى حل سريع ما لم يبادر لبنان إلى معالجة مشكلاته الداخلية والاستفادة من الإمكانات المتاحة.
وضرب مثالا على ذلك معامل إنتاج الكهرباء من الطاقة المائية، مشيرا إلى إمكان إعادة تأهيل معامل قائمة، ومنها منشآت مرتبطة بمصلحة كهرباء قاديشا، أو إنشاء معامل جديدة، نظرا إلى انخفاض كلفة إنتاج الكهرباء من المياه مقارنة بمصادر أخرى.
كما اعتبر أن إعادة تأهيل مصفاتي طرابلس والزهراني أو إعادة بنائهما تمثل مشروعا حيويا للبنان على المديين المتوسط والبعيد، لما يمكن أن يوفره من مشتقات نفطية، ولإمكان الاستفادة من خطوط نقل النفط، ومنها خط بانياس ـ كركوك، بما يعزز أمن الطاقة ويفتح المجال أمام تصدير الفائض، فضلا عن المساهمة في تخفيف الضغوط على أسواق النفط في ظل اضطراب الإمدادات الإقليمية.
وأكد بيضون أن قطر قادرة على المساهمة في تمويل هذه المشاريع، أو توفير الضمانات اللازمة لتشجيع المستثمرين على دخول السوق اللبنانية، شرط تقديم دراسات جدوى واضحة وصيغ استثمارية مقنعة.
وعن تشديد الوزير آل ثاني على دعم الجيش والمؤسسات الشرعية وسيادة لبنان ووحدة أراضيه وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، رأى بيضون أن هذا الملف يتسم بحساسية خاصة، نظرا إلى ارتباطه بالخلافات الداخلية حول دور الجيش ومسؤولياته في المرحلة الراهنة.
واعتبر أن أي تحرك في هذا الاتجاه ينبغي أن يستند إلى تفاهم داخلي يحصن المؤسسة العسكرية ويجنبها الوقوع في مواجهة مع الانقسامات السياسية، مشيرا إلى أن قطر تستطيع أداء دور مساعد في تقريب وجهات النظر، بما يتيح للبنان تجاوز أزمته السياسية الداخلية والتحديات الإقليمية.
وأعرب عن أمله في أن يتمكن اللبنانيون من استثمار المبادرة القطرية، بما يتيح لهم الاستفادة من دعم الدوحة والانتقال إلى مرحلة أكثر استقرارا على المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية.
وختم بيضون بالتعبير عن أمله في أن تتجدد عبارة “شكرا قطر”، التي ارتبطت في ذاكرة اللبنانيين بالدور الذي أدته الدوحة عقب حرب تموز 2006، من خلال مساعداتها في إعادة إعمار المناطق التي دمرها القصف الإسرائيلي، معولا على أن تساهم قطر مجددا في مساعدة لبنان على تجاوز أزماته السياسية والاقتصادية الراهنة، وتشكل زيارة رئيس وزرائها مدخلا إلى مرحلة جديدة من الدعم والتعافي والاستقرار.
وعليه، فإن زيارة رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري إلى بيروت هي رسالة دعم سياسي للبنان، مقرونة بوعود ومشاريع اقتصادية وتحرك لإعادة إعمار الجنوب. وتكمن أهميتها في جمعها بين الضغط الدبلوماسي لانسحاب إسرائيل، وتعزيز الجيش، ومحاولة معالجة أزمة الكهرباء، بالتوازي مع التنسيق مع الولايات المتحدة بشأن إعادة الإعمار. لكن الاختبار الحقيقي يبقى في ترجمة هذه المواقف إلى نتائج ملموسة.
