الشقق الفارغة في مرمى موازنة 2027: من يدفع الفاتورة فعلاً؟

يجري العمل حالياً على موازنة عام 2027، وتتضمّن بنوداً تستوجب التوقف عندها، وفي مقدّمها ضريبة مقترحة على الشقق الشاغرة. تُطرح هذه الضريبة بوصفها وسيلة لمعالجة أزمة السكن، لكنّ القراءة الاقتصادية المتأنية تكشف أنها قد تُفاقم المشكلة التي تسعى إلى حلّها.

تبدأ الإشكالية من غياب دراسات الجدوى. يُفرض عبء ضريبي جديد على الملكية الخاصة من دون تقدير واضح لنتائجه، ومن دون بيان الجهة التي ستتحمل كلفته الفعلية. ويزداد الأمر حساسية لأنّ ثقة اللبنانيين بالدولة وبالمصارف وبحقوق الملكية تضررت بشدة خلال السنوات الماضية، وقد يؤدي أي تشريع جديد يُنظر إليه على أنه مصادرة مقنّعة إلى تعميق هذا الفقدان للثقة.

تتصل المخاوف الأساسية بسلوك المطوّرين العقاريين. يبني هؤلاء ويبيعون، ويعتمد نموذج عملهم على تصريف الوحدات بسرعة. وحين يواجهون احتمال فرض ضريبة على ما لم يُبَع، ينخفض هامش الربح وتتراجع جاذبية المشاريع الجديدة. وتقود هذه الحسابات إلى إحجام عن البناء وإلى خروج المستثمرين من سوق العقارات نحو أسواق أخرى.

تبدو النتائج على المدى القصير محدودة، وقد تنخفض الأسعار قليلاً. أمّا على المدى المتوسط والبعيد، فيتراجع المعروض من الشقق بينما يبقى الطلب قائماً وينمو مع الزيادة السكانية. ويعني ذلك تنافساً أشد على عدد أقل من المساكن، وبالتالي ارتفاعاً كبيراً في الأسعار والإيجارات.

يقع العبء الأكبر في نهاية المطاف على الفئات الأضعف، كما يحدث مع معظم الضرائب. يتحمّل المستهلك الكلفة، بينما يستطيع المستثمر نقل أمواله إلى مكان آخر. ويخسر العاملون في قطاعات البناء، من مقاولين وعمال ومتعهدين، فرص عملهم، فترتفع البطالة. وتخسر الخزينة بدورها، إذ تتراجع الإيرادات الضريبية المتوقعة عندما ينكمش القطاع الذي تُفرض عليه الضريبة.

تُظهر المعالجة المقترحة أيضاً خللاً في المنطق. تُستخدم الشقق الشاغرة مصدراً للإيرادات بدلاً من وضع سياسة سكنية فعلية. كما أنّ الشقق المصنّفة شاغرة ليست كلها مهملة، فبعضها يسكنه أقارب أو أصحاب، وبعضها الآخر شقق فاخرة لن يقصدها أصحاب الدخل المتوسط والمحدود على أي حال. وتُضاف إلى ذلك مخاطر التحايل، إذ يمكن لمالكي الشقق تسجيل عقود إيجار شكلية لتفادي الضريبة.

تتوافر بدائل تعالج جذور الأزمة. تبدأ هذه البدائل بخفض كلفة البناء عبر تخفيف الرسوم والضرائب على مواد البناء والاستيراد، وتحرير قطاع النقل المشترك من الاحتكار. وتمتد إلى تشجيع الاستثمار في مناطق جديدة خارج بيروت والساحل، والترخيص ببناء الأبراج حيث تتوافر الأراضي. وتؤدي زيادة عدد الوحدات لكل قطعة أرض إلى تخفيض الكلفة على كل شقة، فيصبح تملّك المسكن في متناول الشباب وتنخفض أعباء الإيجار.

تُقدّم تجربة مصابيح «الليد» مثالاً واضحاً على ذلك: خُفّضت كلفة الإضاءة فازداد الاستهلاك وارتفعت الإنتاجية، وربح الجميع. ويسري المنطق نفسه على الضرائب، إذ يؤدي تخفيفها المدروس إلى توسيع النشاط الاقتصادي وزيادة الإيرادات على المدى الطويل. ويظهر حجم التحدي حين يُقارن متوسط دخل الفرد في لبنان، وهو نحو 5400 دولار سنوياً، بأي عبء ضريبي إضافي.

تنتهي الخلاصة إلى أنّ النية الحسنة لا تكفي لصياغة سياسة عامة ناجحة. تحتاج الحكومة إلى الجرأة على الإصلاحات الأصعب، كإعادة هيكلة القطاع العام وتصحيح الوضع النقدي وتسهيل الاستثمار، بدلاً من الاكتفاء بموازنة متوازنة على الورق تخفي عجزاً حقيقياً، ولن تنطلي على صندوق النقد الدولي.

اضغط هنا لاستماع للمقابلة كاملة على اذاعة لبنان الحر