«اشتدّي أزمة تنفرجي» هو قول ينطبق اليوم على مشهدين تقليديين لطالما تكررا في لبنان. الأول، هو التهديد بإغراق الشوارع بالنفايات، بسبب وصول المطامر إلى قدرتها الاستيعابية القصوى، أو عند كل استحقاق لتمديد عقود متعهدي جمع النفايات ومعالجتها، وهو الذي لطالما شهدناه على مدى سنوات، وكان له دور في اندلاع الشرارات الأولى لما سمي بـ»الثورة» على الفساد، حيث تابعنا على الشاشات اقتحامات لوزارة البيئة. أما الثاني فهو تكرار التهديد بالوصول إلى شفير العتمة الشاملة، بسبب نفاذ المحروقات لدى كهرباء لبنان لتبرير تسريع إجراءت شراء شحنات جديدة، دون رويّة وبمهل مختصرة لتقديم العروض لضمان رسو التلزيم على العارض المحظي المبلّغ سلفاً بدفتر الشروط المفصل على القياس، والمحبوك بقطب مخفية مصاغة بعناية واتقان. وقد أدى تكرار الوقوع في هاتين الأزمتين إلى تحويل كل منهما إلى معضلة تستدعي البحث عن علاج دائم ومستقر يومن استمرارية المرفقين.
يبدو أن الحكومة الحالية نجحت في وضع المشكلتين المزمنتين على سكة المعالجة، من خلال تعيين الهيئتين الناظمتين لقطاع الكهرباء، ولمعالجة النفايات الصلبة، بالتزامن مع وضع حلول لمطامر النفايات تتقاطع مع إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية على سطوح المطامر وإنشاء منظومات لإنتاج الكهرباء من غاز النفايات على أرضها. وقد جاء ذلك في إطار معالجة أزمة عجز الصندوق البلدي المستقل، وإخراج الخزينة من الضغط والاستنزاف المترتب عليها من جراء تمويل مستحقات المتعهدين، وبعد ثبوت فشل مركزية إدارة قطاع النفايات والتوصل إلى قناعة تبدو جدّية لدى الحكومة، التي اتخذت قرارها بالتصدي لمعالجة الأزمة من أساسها، ووقف تمويل تلزيمات مكلفة لا تخضع لرقابة كافية.
إن رؤية الحكومة الحالية حول معالجة أزمة النفايات تندرج في إطار تطبيق قانون تمكين البلديات الصادر حديثاً، ويوفر لها إيرادات ماليّة تمكّنها من تولّي الخدمات المتعلقة بجمع ومعالجة النفايات ضمن نطاقها، والاستثمار في قطاع الطاقة المتجددة، في آن معاً.
في مراجعة لتطور أداء الصندوق البلدي المستقلّ منذ انشائه والتعقيدات التي طرأت على أوضاعه وظهرت خلال أواخر التسعينات الماضية والإشكاليات المترتبة عنها في علاقته مع البلديات من جهة ومع الخزينة من جهة أخرى، يتبين من تقارير صادرة عن ديوان المحاسبة أن الصندوق البلدي المستقل قد نشأ وتحددت وارداته وأصول وقواعد توزيعها بموجب المادة 87 من قانون البلديات الصادر بالمرسوم الاشتراعي رقم 118/77، التي نصّت على أن «تودع أمانة في صندوق بلدي مستقل في وزارة الداخلية حاصلات العلاوات المشتركة العائدة لجميع البلديات»، ونصت المادة 88 من القانون نفسه على أن «تحدد أصول وقواعد توزيع أموال الصندوق البلدي المستقل بنصوص تنظيمية بعد استشارة مجلس شورى الدولة». وقد عرّف المرسوم رقم 1917/79 مكونات أموال الصندوق البلدي المستقل في مادته الأولى، التي نصت على أن «تتألف أموال هذا الصندوق من الرسوم التي تستوفيها الدولة والشركات لحساب جميع البلديات كما هي محددة في القوانين المرعية الإجراء». وحدّد أصول وقواعد توزيع هذه الأموال في مادته الرابعة التي نصت على أن «تؤخذ من مجموع الأموال المودعة في «الصندوق البلدي المستقل» المفتوح في قيود مصلحة الخزينة في وزارة المالية نفقات اللوازم والأشغال والخدمات التي تخصص لجميع البلديات».
تتكوّن واردات الصندوق البلدي المستقل من عائدات الرسوم المشتركة والمواد الملتهبة والعلاوات على اجور المخابرات الهاتفية وبدلات الاشتراك، والعلاوات على استهلاك الطاقة، والرسوم التي تستوفيها إدارة الجمارك، وسوى ذلك من رسوم وعلاوات نصت عليها قوانين وأنظمة خاصة، أو كانت تستوفيها الخزينة وتودعها في صناديقها أو في الحساب المفتوح باسمها في مصرف لبنان تحت الرقم 36.
أما أساس علاقة هذا الصندوق بالخزينة، تاريخياً، فكان في احكام المادة الثالثة من المرسوم رقم 1917/79، التي نصت على أن يصفّي محتسب الخزينة المركزي في وزارة المالية والمحتسب المركزي في المديرية العامة للجمارك، كلّ في ما يختص به، حصص البلديات من الرسوم التي تستوفيها الدولة، وذلك في نهاية كل شهر ويودعها لدى مصرف لبنان في حساب «الصندوق البلدي المستقل» ويبلّغ مصلحة الشؤون البلدية والقروية في وزارة الداخلية نسخة عن هذا الإيداع. وعلى أن تودع الأموال، المبيّنة في المادة الأولى منه، في مصرف لبنان بإسم الخزينة العامة. ويفتح في قيود مصلحة الخزينة في وزارة المالية حساب خاص باسم «الصندوق البلدي المستقل»، وعلى ان يتمّ تحريك هذا الحساب وفقاً لأصول تحدد بقرار مشترك يصدر عن وزير الداخلية ووزير المالية.
إن التفسير الصحيح لهذه النصوص كان يستوجب، منذ البداية، فصل أموال الصندوق البلدي المستقل عن أموال الخزينة بحيث تبقى الأولى جاهزة لمقابلة الحاجات وأوامر الدفع أو السحب، التي يمكن أن يطلب تلبيتها القيّمون على الصندوق أو تصدر عنهم، بحيث تبقى حركة حسابات الصندوق المفتوحة لدى الخزينة، وكذلك الأموال العائدة للصندوق، تحت إشراف الخزينة دون أن تتمكن الأخيرة من تحريك هذه الأموال، إلّا بناء لطلب القيّمين على الصندوق البلدي ومسؤوليتهم. فتستطيع الخزينة وفق هذه الصيغة، وفي أية لحظة، إعطاء صورة كاملة وواضحة حول الوضعين المحاسبي والنقدي للصندوق البلدي المستقل، من خلال استخراج ما تثبته في قيودها حول كامل حركة أموال الصندوق. وكذلك تستطيع التأكد من صحة نتائج هذه القيود من خلال مطابقة الارصدة الدفترية لحسابات الصندوق المفتوحة لديها مع الأرصدة النقدية الفعلية المتوفرة في الحساب الخاص المفتوح باسم الخزينة لدى مصرف لبنان ولصالح الصندوق؛ غير أن الأمور خرجت عن هذه الحدود بحيث أنه بعد فتح الحساب الخاص بالصندوق البلدي المستقلّ لدى مصرف لبنان، باتت أوامر الدفع تصدر على حساب الخزينة لدى مصرف لبنان مباشرة، بحيث بات يقتصر دورها في مرحلة الدفع على التحقق من كون أمر السحب او الدفع صادراً عن المرجع الصالح، ومن توفر الرصيد، من خلال القيود الممسوكة لديها، وعلى تأدية النفقة أي المبلغ المطلوب سحبه أو دفعه، إما نقدا وإما بموجب شيك مسحوب على الحساب 36 العائد للخزينة لدى مصرف لبنان، وذلك دون أن تمارس أية رقابة لناحية صحة مراحل العقد والتصفية والصرف، المناطة أصلاً بوزارة الداخلية، أو الإدارة العامة، أو المؤسسة العامة المكلّفة بالتنفيذ.
منذ إنشاء الصندوق البلدي المستقل ومع التطورات التي تلته شابت تطبيق النصوص ذات العلاقة إشكاليات عديدة خلقت نوعاً من الفوضى والغموض في إدارة الصندوق قابله أكثر من شكل من أشكال التذمر والشكوى من البلديات، أهمها تأخر المؤسسات والإدارات ذات العلاقة عن تحويل عائدات البلديات المتأتية من العلاوة المقرر احتسابها لصالحها، وكذلك التأخر في تحويل صافي الحصص المترتبة لها، والأهم هو أن «مركزية» تأمين خدمات جمع ومعالجة النفايات قد أثبتت فشلها وارتفاع تكلفتها بما يتجاوز حصص بعض البلديات، بحيث باتت مدينة للصندوق أو للخزينة، بما يتعارض مع استقلاليتها وحقها بممارسة دورها في هذا المجال.
مؤخراً، ومع وصول أزمة النفايات والقدرة الاستيعابية للمطامر، ومعها قدرة الخزينة على تمويل مديونية الصندوق البلدي المستقل، إلى طريق مسدود، تحركت الحكومة، بالتعاون مع وزير المالية لمعالجة الوضع وابتكار حلول تتجاوز الصورة التقليدية، وذلك من خلال استصدار قانون تمكين البلديات، الصادر حديثاً، والقرارات الصائبة التي اتخذها مجلس الوزراء، وتتعلّق بإدماج الحلول الموضوعة لمعالجة قدرة المطامر على الاستيعاب، وتمليك البلديات مساحات العقارات القائمة عليها مطامر النفايات الواقعة ضمن نطاقها، والإجازة لها بتركيب منظومة توليد الكهرباء من الطاقة الشمسية على سطح المطمر، وإنشاء محطة لتوليد الكهرباء من الغاز المنبعث منه.
إنّ توفير الشروط الملائمة لانطلاق ورش إصلاح قطاع الكهرباء توصّلاً لمعالجة أزماته المزمنة، يقتضي إقرار مشروع القانون المرسل خلال العام 2017، المتعلّق بإعطاء حوافز للبلديات التي تقع ضمن نطاقها معامل فرز النفايات ومعالجتها، والمطامر الصحيّة، من خلال مشاريع إنمائية تمتد على 4 سنوات، ويمكن تمويل هذه المشاريع عن طريق تفعيل قانون تمكين البلديات الصادر مؤخّراً، ويؤمِّن لها إيرادات إضافية لتغطية نفقات جمع النفايات، وكذلك تفعيل قانون تنظيم الشراكة بين القطاعَين العام والخاص.
بإقفال الخزينة ابوابها أمام تسليف الكهرباء والنفايات يكون قد تحقق الدخول من معالجة النفايات إلى دعم إنتاج الكهرباء، وفتح آفاق الحلول على دور مباشر وواسع للبلديات، في إطار تعزيز اللامركزية وتحقيق التنمية الشاملة المنصوص عليها في الدستور ولطالما تكرر إدراجها في البيانات الوزارية.
ويبقى أن «تشمّر» البلديات عن سواعدها لتنجح في مواجهة التحدي الذي لطالما سعت إليه، والمساهمة في معالجة أزمتي النفايات كلياً والكهرباء جزئياً، اللتين عانى وما زال يعاني منهما المواطن والبيئة ومختلف القطاعات الاقتصادية والخزينة.
