الرواتب والأجور في لبنان: رهينة الأزمة والمعادلة غير المحسومة

الرواتب

يشكّل ملف رواتب القطاع العام في لبنان أحد أبرز تجليّات الأزمة المالية التي انفجرت عام 2019، إذ فقدت الرواتب قيمتها الفعلية نتيجة الانهيار الحاد في سعر صرف الليرة وارتفاع معدلات التضخم، ما أدّى إلى تآكل القدرة الشرائية لموظفي الدولة وتحويل الأجر من عنصر استقرار اجتماعي إلى مصدر قلق دائم. وعلى الرغم من إقرار زيادات متفرقة ومساعدات اجتماعية وبدلات نقل وحوافز مؤقتة خلال السنوات الماضية، بقيت هذه الإجراءات أقرب إلى حلول ظرفية تهدف إلى احتواء الاحتقان أكثر من كونها معالجة هيكلية لنظام الأجور. فالمشكلة لا تكمن فقط في انخفاض الرواتب، بل في غياب سياسة واضحة تعيد تنظيم القطاع العام وتربط الأجور بالإنتاجية والكفاءة، ضمن إطار مالي مستدام.
وفي الموازنة الأخيرة، فضّلت الحكومة مقاربة حذرة تقوم على ضبط الإنفاق وتجنّب زيادات شاملة قد تؤدي إلى تضخم إضافي أو عجز مالي أكبر، مع الاكتفاء بتقديم دعم جزئي لبعض الفئات. وبين الحاجة الملحّة لتحسين أوضاع الموظفين والحفاظ على استقرار المالية العامة، يبقى واقع الرواتب في لبنان رهينة معادلة دقيقة لم تُحسم بعد، في انتظار إصلاح شامل يعالج جذور الخلل في بنية الدولة المالية والإدارية.

الاحتياطي يُوزع… والرواتب تُهمل
من هذا المنطلق يقول الخبير الاقتصادي الدكتور باتريك مارديني في حديث لصحيفة «اللواء» إن «الحكومة اللبنانية تصدر اليوم موازنة متوازنة، أي ان مجمل الإيرادات المتأتية من الضرائب والرسوم تنفق بالكامل ضمن بنود الصرف المحددة، من دون تسجيل عجز إضافي. ويستحوذ بند الرواتب والأجور وتعويضات وامتيازات موظفي القطاع العام على الحصة الأكبر من هذه النفقات، ما يجعل هذا البند الأكثر ثقلا في هيكلية الموازنة».
ويتابع: «في ضوء ذلك، لا تتوافر حاليا أي مساحة مالية لإقرار زيادات جديدة على الرواتب والأجور، إذ إن الكلفة الإضافية غير مغطاة بإيرادات مقابلة. وكانت الحكومة قد لحظت في مشروع الموازنة احتياطيا بقيمة 330 مليون دولار خصّص لمواجهة حالات طارئة وأعمال إغاثة وغيرها من النفقات الاستثنائية. إلّا أن هذا الاحتياطي صُفّر خلال مناقشات مجلس النواب، حيث جرى توزيعه على مجالس وصناديق ووزارات مختلفة. والمفارقة أن عددا من النواب الذين اعترضوا علنا على عدم تضمين الموازنة زيادات للرواتب، صوّتوا في الوقت نفسه على توزيع مبلغ الاحتياطي خارج هذا الإطار، من دون تخصيصه لتحسين الأجور».
 
لبنان بين الإنفاق والخيارات السياسية
وفي سياق متصل، يوضح مارديني أن «لبنان يواجه أزمات مالية واقتصادية متشابكة، فيما تستهلك الرواتب والأجور الجزء الأكبر من الإنفاق العام، ما يحدّ من قدرة الدولة على تمويل بنود أخرى أو إطلاق برامج إنفاق جديدة. وأي توسيع إضافي في الإنفاق يتطلب بالضرورة قرارات وخيارات سياسية واضحة، سواء عبر زيادة الإيرادات أو إعادة هيكلة أولويات الصرف».
 
سلسلة الرتب والرواتب: زيادات شاملة أم كفاءة؟
إذ يرى أنه «من غير العادل اعتماد «سلسلة رتب ورواتب» بصيغتها الشاملة كما يطرح أحيانا، لأن هذا المفهوم يقوم على زيادة رواتب جميع الموظفين من دون تمييز بين المنتج وغير المنتج. والمساواة في الزيادة، بمعزل عن مستوى الأداء، تحمل آثارا سلبية واضحة، فهي تكافئ غير المنتج من دون حافز لتحسين أدائه، وتحبط الموظف المنتج الذي يجد أن جهده الإضافي لا ينعكس تمييزا في التعويض». معتبرا أنه «المطلوب اليوم الخروج من مقاربة الزيادات الشاملة، والانتقال إلى نظام يرتكز على معايير إنتاجية واضحة وقابلة للقياس. أي زيادة في رواتب القطاع العام ينبغي أن تربط بالأداء الفعلي، بما يعزز ثقافة الكفاءة والمساءلة داخل الإدارات».
إذ تشير التقديرات بحسب مارديني إلى أن «نسبة كبيرة من العاملين في القطاع العام لا تحقق مستوى الإنتاجية المطلوب، ما يفرض معالجة جذرية لواقع فائض اليد العاملة، سواء من خلال إعادة هيكلة الإدارات أو الاستغناء عن غير المنتجين وفق أطر قانونية عادلة وشفافة. فالاستمرار في تضخم الجهاز الإداري يرهق المالية العامة ويقوّض فعالية المؤسسات».
 
الأداء يحسم المعادلة
وأمام كل تلك المعطيات، يختم مارديني «تمويل أي زيادات مستحقة للموظفين المنتجين، يمكن أن يأتي من الوفر الناتج عن إعادة الهيكلة وترشيد الإنفاق، بما يضمن عدم تحميل الخزينة أعباء إضافية. كذلك، فإن تحرير فائض اليد العاملة غير المنتجة وتوجيهها نحو القطاع الخاص من شأنه أن يساهم في تنشيط الاقتصاد وتحريك سوق العمل، بدل إبقائها ضمن جهاز إداري مثقل وضعيف الفعالية. بهذه المقاربة، تستطيع الحكومة تحقيق هدفين في آن واحد: رفع مستوى الإنتاجية داخل القطاع العام وتعزيز المساءلة، وفي الوقت نفسه تأمين موارد لتمويل زيادات عادلة تحفّز الكفاءة وتكافئ الأداء».