تحولت الأزمة المالية التي طالت جميع اللبنانيين منذ عدة سنوات إلى كابوس حقيقي، حتى جاءت حكومة الرئيس نواف سلام لتقترح مشروع قانون الانتظام المالي الذي واجه اعتراضات عديدة، إذ عارضه تسعة أعضاء من مجلس الوزراء مقابل أربعة عشر وافقوا عليه.
يحقق هذا القانون أفضل ما هو ممكن في الظروف الراهنة، فبعد ست سنوات من المحاولات الفاشلة للاتفاق على قانون للفجوة، تمكنت الحكومة أخيراً من إقرار قانون حصل على أكثرية في مجلس الوزراء. يشكل هذا القانون خطوة حاسمة نحو إعادة المصارف إلى العمل وتمكينها من إعطاء قروض لتمويل الاقتصاد والشركات، مما يسمح للمواطنين بالحصول على قروض لشراء المنازل والسيارات وتلبية احتياجاتهم الأساسية.
تأخر لبنان ست سنوات في إقرار هذا القانون، بينما البلدان التي تمر بأزمات مماثلة تبادر إلى إقراره فوراً لمنع انتقال الأزمة المالية إلى الاقتصاد الحقيقي. يفتح إقرار القانون الباب نحو اتفاقية نهائية مع صندوق النقد الدولي، مما قد يستجلب دعماً دولياً كبيراً من مؤتمر باريس ودعماً عربياً وإقليمياً. كما يساهم في معالجة مشكلة الاقتصاد النقدي وشبهات تبييض الأموال، ويرفع لبنان عن اللائحة الرمادية أو يتلافى سقوطه في اللائحة السوداء، مما يعيد الثقة الدولية ويجذب المستثمرين.
يحمل القانون بعض نقاط الغموض، خاصة في ترتيبية توزيع الخسائر وما إذا كان رأس مال المصارف يُشطب أولاً أم آخراً. كما ينقل القانون ديناً كبيراً من المصارف إلى مصرف لبنان المركزي، إذ تتحول الودائع إلى التزامات على المصرف المركزي، مما يطرح تساؤلات حول كيفية السداد في حال تعثر المصرف المركزي. أيضاً، يلمح القانون لاستعمال الذهب كضمانة للسندات الصادرة عن مصرف لبنان، وهو ما يمس بقدسية احتياطي الذهب.
تعود المعارضة للقانون بشكل أساسي إلى أسباب سياسية أكثر منها تقنية، فبعض الوزراء من أحزاب لها انتخابات مقبلة يتخوفون من العقاب الانتخابي رغم معرفتهم بأهمية القانون لإعادة إطلاق العجلة الاقتصادية. بدأت بعض الأحزاب التي كانت في السلطة خلال الأزمة بحملات انتخابية تعد الناخبين باسترجاع أموالهم، رغم أن الأموال اختفت في عهدها.
يتعامل القانون اللبناني مع المودعين بإنصاف مقارنة بالمعالجات العالمية للأزمات المماثلة. ففي قبرص، حُولت أموال المودعين الذين يملكون فوق مئة ألف يورو إلى أسهم في المصارف أو خضعت لتخفيضات كبيرة. وفي آيسلندا، كان ضمان الوديعة عشرين ألف يورو فقط، وخسر المستثمرون الأجانب كل ما يزيد عن هذا المبلغ. أما في لبنان، فضمان الوديعة اليوم ثمانمئة وخمسون دولاراً فقط، بينما يرفع قانون الفجوة هذا الضمان إلى مئة ألف دولار، وهو تحسين كبير جداً.
بالنسبة للمودعين الذين يملكون فوق مئة ألف دولار، تُحول أموالهم إلى سندات صادرة عن مصرف لبنان، وهي أفضل من الشيكات المصرفية الحالية التي تخضع لاقتطاع يفوق ثمانين بالمئة. تتميز السندات الصادرة عن مصرف لبنان بأنها أكثر أماناً من شيكات المصارف التي قد تتخلف عن السداد. كما يمكن أن تزيد نسبة الاسترجاع مستقبلاً إذا استمرت الدولة في تحقيق فوائض بالموازنة العامة وأودعتها في مصرف لبنان، مما يحسن قيمة السندات ويرفع نسبة الاسترداد للمودعين.
يتبع القانون المعايير الدولية في شطب الأرباح الوهمية، مثلما حدث في معالجة قضية مادوف في أمريكا. تشمل الأرباح الوهمية في الحالة اللبنانية عمليات مثل تبادل الشيكات بأسعار صرف غير واقعية، والأرباح من الهندسات المالية، والفوائد المرتفعة جداً التي وصلت إلى أربعة عشر وخمسة عشر بالمئة رغم عدم وجود اقتصاد منتج يحقق هذه العوائد. كانت هذه الفوائد تُدفع من أموال المودعين أنفسهم، مما خلق الفجوة المالية.
يحافظ القانون على أصل الودائع حتى مئة ألف دولار لجميع المودعين، لكنه يشطب الأرباح الوهمية التي لم تكن موجودة فعلياً في النظام وكانت تُدفع من أموال مودعين آخرين. يوزع هذا النهج الخسائر بشكل يعكس أكبر قدر من العدالة، إذ يطالب المستفيدين من الهندسات المالية بإرجاع ثلاثين بالمئة من أرباحهم، ويطالب المودعين الذين حصلوا على فوائد فاحشة بإرجاع هذه الفوائد مع الاحتفاظ برأس مالهم.
تقدر الأموال غير المنتظمة التي سيتم شطبها بنحو خمسة وثلاثين مليار دولار. بالإضافة إلى ذلك، تسمح إعادة تقييم الذهب في مصرف لبنان بزيادة قيمة الموجودات إلى أربعين مليار دولار، مما يقلص الفجوة بشكل كبير ويعيد التوازن المالي بين الأصول والالتزامات. يشطب القانون أيضاً الأموال المرتبطة بتبييض الأموال وتمويل الإرهاب، بما في ذلك ودائع تعود لأنظمة سابقة مثل الأنظمة العراقية والليبية والسورية.
لا تقتصر إعادة الثقة بالقطاع المصرفي على إقرار قانون الفجوة وحده، بل تتطلب أيضاً مساءلة المسؤولين عن الأزمة وتحديد المسؤوليات. يجب أن تتم المحاسبة من خلال دعاوى جنائية ضد الاحتيال والإهمال وخرق الواجبات الائتمانية، ودعاوى مدنية لتعويض الدائنين عن سوء الإدارة. تشمل المسؤولية أيضاً القوى السياسية التي استلمت الوزارات وأنفقت أموال المودعين بلا حساب، خاصة في قطاع الطاقة الذي التهم أكثر من أربعين مليار دولار.
يمثل قانون الانتظام المالي إنجازاً كبيراً للحكومة، ويشكل الخطوة الأولى نحو إعادة بناء الاقتصاد اللبناني وإطلاق حركة القروض التي تسمح بخلق فرص العمل والحد من الهجرة والفقر. يبقى نجاح القانون مرهوناً بالانضباط المالي للحكومات المقبلة واستمرارها في تحقيق فوائض بالموازنة، مما يحسن قيمة السندات ويرفع نسبة استرداد الأموال للمودعين على المدى الطويل.