انهارت حركة الاستيراد والتصدير والاستثمار الدولي في سوريا منذ العام 2011 بشكل غير مسبوق، حيث تراجعت المستوردات من 18 مليار دولار إلى 4 مليارات دولار في العام 2024 والصادرات من 12 مليار دولار إلى 1.2 مليار دولار، بينما انخفض الاستثمار الأجنبي المباشر من 1.4 مليار دولار في العام 2010 إلى بضعة عشرات من ملايين الدولارات بين العامين 2012 و2024.
وقد انعكس هذا الانهيار بشكل مباشر على البنية الاقتصادية السورية؛ حيث تعطل الإنتاج الصناعي والزراعي واخفضت القدرة الإنتاجية ما أثر بشكل فادح على سوق العمل من خلال فقدان واسع للوظائف وتراجع المداخيل. كما أدى نقص السلع الأساسية إلى ارتفاع الأسعار وتسارع التضخم وتزايد الاعتماد على الأنشطة غير الرسمية، ما عمّق الأزمة الاجتماعية والاقتصادية التي يعيشها السوريون. وقد تراجعت القطاعات القابلة للتبادل الخارجي وقلّت فرص توليد القيمة المضافة وتضرر موقع سوريا في سلاسل القيمة الإقليمية والدولية، ما جعل العودة إلى الأسواق الخارجية أكثر صعوبة وأفقد المنتج السوري حصته السوقية لصالح منافسين إقليميين ودوليين. أما انخفاض الاستثمار الأجنبي، فقد ترك آثارًا عميقة على قطاعات استراتيجية كانت عبر التاريخ محركات للنمو، مثل الطاقة والصناعة التحويلية والزراعة والاتصالات والخدمات، ما حدّ من إمكانية تطوير البنية التحتية وتحسين جودة الإنتاج ودفع عجلة النمو.
ويعود هذا التراجع الحاد في التجارة إلى مجموعة عوامل متداخلة أبرزها العقوبات الاقتصادية التي قيّدت التعاملات المالية والتجارية ورفعت كلفة التبادل بشكل كبير. واليوم، تشهد سوريا محطة مفصلية مع بدء رفع العقوبات، وهو ما يفتح الباب أمام إعادة ربط سوريا بالاقتصاد العالمي. غير أن رفع العقوبات، رغم أهميته، لا يشكل بحد ذاته حلًّا كافيًا لإعادة تنشيط التجارة الخارجية بشكل كامل. إذ تعاني سوريا من تركة ثقيلة خلّفها النظام السابق حاصَرَت، هي الأُخرى، التجارة الدولية ومنعتها من التطور.
وقد ساهمت سياسات التحكم الصارم في الاقتصاد من قبل النظام السابق في تعميق عزلة سوريا. إذ اتّسمت السياسة بحصر التجارة الدولية بيد رجال النظام من خلال: ارتفاع الرسوم الجمركية وكثرة القيود غير الجمركية والحاجة إلى التراخيص وتعدد الاستثناءات، إضافة إلى تدخل إداري واسع في التجارة الخارجية. فبينما تم السماح باستيراد 3,731 مادة أساسية، مُنِعَ (أو قُيِّدَ) استيراد 2,672 سلعة. ولا شكّ في أنّ هذه التعقيدات على المستوردين والمصدّرين قد أفضت إلى تجذُّر الاحتكار الممنهج عبر منح الامتيازات لشركات مرتبطة بالنظام، وإقصاء شريحة واسعة من القطاع الخاص، وتحويل التجارة إلى نشاط ريعي بدلًا من أن تكون محرّكًا للإنتاج والنمو. فانحصر استيراد بعض السلع مثل السكر والقمح والهواتف الذكية والنفط في يد عدد محدود من الشركات الموالية للنظام، بينما حُرم السوق من منتجات أخرى وارتفعت أسعار المواد الأساسية. وقد نتج عن ذلك اقتصادٌ منغلقٌ عالي الكلفة ضعيف الارتباط بالأسواق وغير قادرٍ على خلق فرص عمل مستدامة.
وإضافة إلى ذلك، فقد زادت تعقيدات الإجراءات الحدودية وطول المعاملات وضبابيّة القواعد من حيث الزمن والكلفة على التجار، بينما حدّت القيود على عمليات القطع الأجنبي من قدرتهم على تمويل التجارة وأجبرت الكثيرين منهم على اللجوء إلى السوق السوداء. وقد جعلت كل هذه السياسات البيئة الاقتصادية غير جاذبة للاستثمار، مُجبِرَةً مستثمرين محليين وأجانب على الخروج من السوق أو التعامل تحت شروط غير عادلة، ما عزّز الانكماش الاقتصادي وفقدان الثقة.
وتقترح هذه الورقة خيارين رئيسيين لمعالجة هذه المشكلة المزمنة: أوّلهما تحرير التجارة بشكل كامل وإلغاء جميع التعريفات الجمركية بما يتيح دخول مستوردين جدد للسوق. وتوفر التجارة الحرّة منافسة حقيقية تقلل الأسعار وتعزز جودة المنتجات وتزيد التنوع في السوق كما أثبتت التجربة بعد سقوط النظام السابق حيث انخفضت الأسعار بسرعة بسبب فتح السوق على التجارة الخارجية.
أما الخيار الثاني فيقوم على اعتماد تعرفة موحّدة منخفضة على جميع الواردات من دون أي استثناء أو تفضيل، ما يُبسط إدارة الضرائب ويخفف البيروقراطية ويعزز العدالة والشفافية ويقلل فرص الفساد والمحسوبية ويتيح للشركات توقع تكلفة دخول بضائعها إلى السوق بوضوح، ما يشجع على النشاط التجاري والاستثمار.
وبصرف النظر عن الخيار الذي تختاره الحكومة، ينبغي أن تتزامن أيٌّ من هاتين السياستين مع إلغاء التعريفات والعراقيل أمام التصدير وتبسيط الإجراءات على الحدود وضمان مساواة الجميع تحت سقف القانون، ما يسمح بالحدّ من التهريب والتهرّب الجمركي ويفتح الطريق نحو استعادة ديناميكية الاقتصاد السوري ويعيد للشعب السوري الأمل في تحسين معيشته وخلق فرص عمل حقيقية ونمو مستدام.
إيهاب إسمندر – باحث في مبادرة سراج – المعهد اللبناني لدراسات السوق
إيليا عبّود – باحث في مبادرة سراج – المعهد اللبناني لدراسات السوق
حمل الملف لقراءة الملخص التنفيذي
