تناول البيان الوزاري مسألة اتباع سياسة رشيدة لتعزيز الإيرادات بهدف الحفاظ على استقرار مالي مستدام، لكنه لم يتطرق إلى ترشيد النفقات، رغم أن المشكلة الأساسية التي يعاني منها لبنان تكمن في الإنفاق الهائل على القطاع العام ومؤسساته الإنتاجية والخدماتية. يشكّل تضخم القطاع العام عبئًا كبيرًا على المالية العامة، إذ يستنزف نسبة ضخمة من الموارد دون أن يقابل ذلك مستوى إنتاجي فعّال أو خدمات ذات جودة.
برزت الإشارة إلى إعادة هيكلة القطاع العام كجزء من الجهود المبذولة لمكافحة الفساد، لكن غابت الإشارة المباشرة إلى ضبط الإنفاق العام، وهو العنصر الأساسي في أي إصلاح مالي حقيقي. لا يمكن تحقيق استقرار اقتصادي دون معالجة الإنفاق غير المنتج الذي يرهق مالية الدولة ويعيق قدرتها على تنفيذ الإصلاحات المطلوبة. تمثل إعادة الهيكلة خطوة ضرورية لتحسين كفاءة الإنفاق العام، لكنها يجب أن تكون عملية متكاملة تشمل تقليص عدد الموظفين غير المنتجين، وإلغاء المؤسسات والمجالس التي لا تساهم في التنمية الاقتصادية.
أظهرت تجارب دول أخرى، مثل الولايات المتحدة، أن خفض عدد الموظفين في القطاع العام بنسبة كبيرة يمكن أن يكون خطوة ضرورية لضبط النفقات وتحقيق كفاءة مالية أعلى. في بعض الحالات، تم تقليص أعداد الموظفين في المؤسسات العامة بأكثر من 90%، مما ساعد على إعادة توجيه الموارد نحو القطاعات الأكثر إنتاجية. في المقابل، يستمر القطاع العام في لبنان بتوظيف أعداد تفوق حاجته الفعلية، مما يؤدي إلى زيادة العجز المالي وتراجع القدرة على تقديم خدمات ذات جودة للمواطنين.
يتطلب الإصلاح الاقتصادي في لبنان رؤية واضحة وإرادة سياسية قادرة على تنفيذ إجراءات حاسمة، تشمل إعادة هيكلة القطاع العام بطريقة تؤدي إلى تقليص النفقات غير الضرورية وتحسين مستوى الخدمات. يجب أن تركز الجهود على خلق بيئة اقتصادية مرنة، تحفّز النمو والاستثمار بدلًا من الاعتماد على قطاع عام متضخم يعرقل التنمية المستدامة. يمثل ضبط الإنفاق شرطًا أساسيًا لنجاح أي خطة إصلاحية، حيث لا يمكن تحقيق الاستقرار المالي في ظل استمرار الهدر والفساد المالي والإداري.