مجلس النقد يحمي الفائض في ميزان المدفوعات من التقلّبات السياسية

يعكس الفائض المسجّل في ميزان المدفوعات تفوّق التدفقات النقدية الداخلة إلى لبنان على التدفقات الخارجة منه. يبقى هذا الفائض مع ذلك أدنى بكثير من الفائض الذي تحقق في الفترة نفسها من العام الماضي، والبالغ ثلاثة مليارات و289 مليون دولار. يطرح هذا الواقع سؤالاً عن دلالات الأرقام المسجّلة وعن العوامل التي أسهمت في تحقيقها.

يُظهر الفائض المحقق خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026 أمراً لافتاً، إذ تحقق في مرحلة كان البلد يمرّ فيها بظروف حرب، على الأقل خلال الجزء الأول من العام. استطاع لبنان رغم ذلك تسجيل فائض في ميزان المدفوعات، ويُعزى ذلك في المقام الأول إلى السياسة النقدية الرشيدة التي ينتهجها مصرف لبنان. خفّض المصرف المركزي الكتلة النقدية المتداولة من نحو 70 تريليون ليرة إلى نحو 57 تريليوناً في الوقت الراهن.

ساعد هذا الانكماش المدروس في الكتلة النقدية على ترسيخ انضباط مالي لدى الحكومة، فلم تعد الدولة تلجأ إلى طباعة الليرة لتمويل إنفاقها. أثمر هذا النهج فائضاً في ميزان المدفوعات على الرغم من استمرار العجز في الميزان التجاري. كان وجود عجز تجاري في السنوات الماضية يقترن عادةً بطباعة الليرة لتمويل الحكومة، أما اليوم فقد انتفت هذه الممارسة، وهو تحوّل جوهري في إدارة الشأن النقدي والمالي.

تكتسب هذه الانضباطية أهمية بالغة، ويستوجب الأمر الحرص على استمرارها وعدم التفريط بها. لا يكفي لضمان ذلك الاعتماد على السياسة التي يتبعها حاكم المصرف المركزي وفريقه، مهما بلغت درجة رشادتها، لأن السياسات عرضة للتبدّل بتبدّل الأشخاص والظروف. يقتضي تحصين هذا المسار تثبيتَه بالتشريع، وذلك عبر إنشاء مجلس نقد، أي ما يُعرف بـ Currency Board. يمنح هذا الإطار التشريعي الاستقرار النقدي ضمانةً مؤسسية تتجاوز الاجتهادات الظرفية، ويحول دون عودة الدولة إلى تمويل عجزها بطباعة النقد.

يخلص التحليل إلى أن الفائض المحقق، وإن بقي دون مستوى العام الماضي، يؤشر إلى مسار إيجابي يجدر البناء عليه. ينبغي لصنّاع القرار الانتقال من الاعتماد على سياسات ظرفية إلى أطر قانونية دائمة تحمي الاستقرار النقدي وتعزز الثقة بالاقتصاد اللبناني.

اضغط هنا لمشاهدة النشرة الاقتصادية كاملة على قناة الجديد