مصرف لبنان بين إنقاذ الليرة واسترداد الودائع

يتصاعد الجدل حول ملف الودائع المصرفية مع اقتراب نهاية شهر حزيران، وهو الموعد الذي تنتهي فيه صلاحية التعميمَين 158 و166 الصادرَين عن مصرف لبنان، إلى جانب آلية السحوبات الشهرية التي باتت تُشكّل شريان حياة مالياً للآلاف من المودعين الذين يعتمدون عليها منذ سنوات.

يعاني المودع اللبناني اليوم من ضغوط معيشية متصاعدة في ظل ارتفاع حاد في تكاليف المعيشة وغلاء الأسعار، مما يجعله في أمسّ الحاجة إلى استرداد أمواله المحتجزة في المصارف. في المقابل، يسعى مصرف لبنان إلى الحفاظ على ما تبقّى من احتياطياته بالعملة الأجنبية، وتفادي أي اهتزاز جديد في سعر الصرف قد يُفضي إلى تداعيات اقتصادية غير محسوبة.

تتضافر جملة من العوامل في تشكيل هذا المشهد المعقّد؛ إذ تُلقي الأزمة الأمنية التي يعيشها لبنان بظلالها الثقيلة على المسار الاقتصادي، فيما تُضاف إليها تداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية التي لم يسلم منها لبنان. وفي هذا السياق، يغدو التوجّه نحو تعزيز الاستقرار النقدي وصون ما تبقّى من الاحتياطيات أولوية مُلحّة، وإن كان ذلك يجري على حساب حقوق المودعين وتطلّعاتهم في استعادة أموالهم.

تجدر الإشارة إلى أن الأزمة في جوهرها لم تنشأ من فراغ، بل كانت وليدة سياسة نقدية مضطربة وغير سليمة، أفضت إلى الانهيار المالي الذي يرزح تحته اللبنانيون. ويظل إصلاح هذه السياسة النقدية شرطاً جوهرياً لا غنى عنه لأي مسار حقيقي نحو استعادة المودعين لحقوقهم؛ فأي إجراء يُتّخذ بمعزل عن إصلاح بنيوي شامل لن يُنتج سوى حلول مؤقتة تُرحّل المشكلات وتُراكمها للمستقبل.

وبحسب المعطيات المتوفرة، لا يتجه مصرف لبنان نحو إيقاف العمل بالتعميمَين في نهاية حزيران، نظراً للمخاوف الجدية المرتبطة بهذا القرار؛ إذ قد يدفع ذلك المودعين إلى سحب أموالهم بالليرة اللبنانية وتحويلها فوراً إلى الدولار الأمريكي، مما يُهدد استقرار سوق القطع ويُعرّض الوضع النقدي برمّته لهزة جديدة. غير أن الإبقاء على هذه التعاميم أو رفع سقوفها يستلزم بدوره توافر غطاء مالي كافٍ، وهو ما يصعب تأمينه في ظل تراجع الإيرادات العامة وتصاعد الضغوط الاقتصادية الناجمة عن الأزمات الأمنية والإقليمية.

يبقى المودع اللبناني عالقاً بين مطرقة الانتظار وسندان غياب الحلول الجذرية، فيما يواصل مصرف لبنان سياسة شراء الوقت. ويطرح هذا الواقع تساؤلاً محورياً: هل تحوّلت التعاميم التي وُضعت في الأصل بوصفها تدابير استثنائية مؤقتة، إلى بديل دائم وحلّ هيكلي في أزمة دخلت عامها السادس دون أفق واضح للحل؟

اضغط هنا لمشاهدة النشرة كاملة على قناة OTV