هل مجلس النقد هو الخلاص للبنان؟

زاوية- هانكي | ١٩ كانون الثاني ٢٠٢١

اثار ستيف هانكي ، الاقتصادي الأمريكي بجامعة جونز هوبكنز، الكثير من الجدل في لبنان عندما اقترح حل قال إنه سينهي أزمة العملة في لبنان و “يسحق التضخم على الفور”.

وبالرغم من ان لبنان يمر بأزمة عملة حادة منذ شهور بعد ان دخل الاقتصاد في مأزق عميق ومعقد إلا ان هانكي يقول ان الحل لن يستغرق وقت طويل لتنفيذه مع إمكانية تحقيق نتائج إيجابية بسرعة. ويقوم هذا الحل السحري على انشاء مجلس للنقد.

ولبنان ليست الدولة الأولى التي تكافح التضخم المفرط ومشتقاته. لذا، من الجيد إعادة النظر في الأمثلة السابقة ودراسة كيفية تعافي البلدان من أزماتها، وما هو الدور الذي لعبته المجالس النقدية، ولكن أولا دعونا نجيب عن سؤال مهم:

ما هو مجلس النقد؟

مجلس النقد هو سلطة حكومية مستقلة تعمل بشكل أساسي كمنظم لأسعار الصرف.

العملة غير المحلية، على سبيل المثال، الدولار الأمريكي أو اليورو ، تؤخذ كعملة أساسية، و يتم تثبيت سعر الصرف بين العملة المحلية وهذه العملة الأساسية عند سعر معين. وهذا يتطلب من البنك المركزي التوقف عن طباعة العملة الوطنية حيث سيكون التركيز الأساسي هو التأكد من أن الليرة اللبنانية الموجودة بالفعل في السوق مدعومة بالكامل وبنسبة 100% بالدولار الأمريكي أو الذهب.

بمعنى آخر ، لا يمكن للبنك المركزي طباعة أوراق نقدية جديدة إلا إذا كان لدى لبنان ما يكفي من العملات الأجنبية أو احتياطيات الذهب لتغطية الأوراق النقدية الجديدة.

هذا يعني أنه في حالة مجلس النقد اللبناني، يجب أن يتم تأمين سعر الليرة اللبنانية بسعر صرف ثابت، مدعومًا بأصول أجنبية.

أيضًا، من المتوقع أن يحتفظ مجلس النقد باحتياطيات أساسية غير محدودة من العملة الأساسية.

ويتمتع مجلس العملة بسلطة إصدار قيود نقدية وإنشاء وتنفيذ السياسات التجارية والمالية في حالة حدوث أزمة مالية أو انهيار اقتصادي لتنظيم السوق وإبقاء التضخم تحت السيطرة.

كيف يعمل مجلس النقد؟

في ظل مجلس النقد ، تُعطى إدارة سعر الصرف وعرض النقود إلى سلطة نقدية تتخذ قرارات بشأن تقييم عملة الدولة.

وفي كثير من الأحيان، لدى هذه السلطة النقدية تعليمات مباشرة لدعم جميع وحدات العملة المحلية المتداولة بالعملة الأجنبية. مع وجود متطلبات احتياطي بنسبة 100% ، ويعمل مجلس العملات بشكل مشابه لإصدار قوي مدعوم بالذهب.

و يتيح مجلس النقد إمكانية التبادل غير المحدود للعملة المحلية مقابل العملات الأجنبية. ويمكن للبنك المركزي التقليدي طباعة النقود متى شاء، ولكن يجب أن يدعم المجلس وحدات إضافية من العملة بعملة أجنبية.

مزايا مجلس النقد

غالبًا ما يتم الثناء على أنظمة مجالس النقد لاستقرارها النسبي وطبيعتها القائمة على القواعد.

تقدم مجالس النقد أسعار صرف مستقرة، مما يدعم التجارة والاستثمار. انضباطهم يقيد تصرفات الحكومة. لا تستطيع الحكومات المسرفة أو غير المسؤولة ببساطة طباعة النقود لسداد العجز. وتشتهر مجالس العملات باحتفاظها بالتضخم تحت السيطرة.

يضمن هذا عدم منح الحكومة حق الوصول إلى العملة المحلية لتمويل المشاريع حسب إرادتها ما لم تكن مربحة تمامًا وهذا يسيطر بشكل كبير على الديون الخارجية وكذلك الديون المحلية (الممولة من البنك المركزي).

عيوب مجلس النقد

مجالس النقد لها أيضا سلبيات.

في أنظمة أسعار الصرف الثابتة، لا تسمح مجالس النقد للحكومة بتحديد أسعار الفائدة. كما ان صرامة مجلس النقد سوف تؤدي حتما الى انكماش كبير في الاقتصاد.

في حالة حدوث أزمة، يمكن أن يتسبب مجلس النقد في مزيد من الضرر. إذا تخلص المستثمرون من العملة المحلية بسرعة وفي نفس الوقت، يمكن أن ترتفع أسعار الفائدة بسرعة. وهذا يضر بقدرة البنوك على الاحتفاظ بالاحتياطيات المطلوبة قانونًا ومستويات السيولة المناسبة.

يمكن لأزمة مصرفية كهذه أن تسوء بسرعة لأن مجالس النقد لا يمكنها العمل كمقرض الملاذ الأخير. في حالة الذعر المصرفي ، لا يمكن لمجلس العملة إقراض الأموال للبنوك. وكذلك يحرم مجلس النقد البنك المركزي من لعب دور مقرض الملجأ الأخير وبالتالي لا يستطيع البنك المركزي التدخل لإنقاذ المصارف التي هي أصلا في مرحلة الانهيار.

تجربة هانكي البلغارية

يقول هانكي ان نظام مجلس النقد في لبنان سينهي أزمة العملة ويحطم التضخم على الفور. ويبني هانكي اعتقاده هذا على خبرته السابقة في تصميم و تركيب مجلس العملة البلغاري في عام 1997 ، عندما كان كبير مستشاري الرئيس بيتار ستويانوف .

وبحسب هانكي أنه بين يوليو 1997 (إنشاء مجلس العملة في بلغاريا) ونهاية عام 1998، انخفض معدل التضخم السنوي في بلغاريا من 1230% إلى 1.6%.

خلال الفترة نفسها ، ارتفع إجمالي الناتج المحلي من – 10.1% إلى 3.5% ، وزاد رصيدها المالي من – 12.7% إلى 1%.

بالإضافة إلى ذلك ، ارتفعت احتياطياتها الأجنبية من 864 مليون دولار إلى 3.1 مليار دولار.

الوضع في لبنان

لم يعد مصرف لبنان يملك الكثير من الاحتياطات الأجنبية.

بحسب البنك المركزي لم يعد لبنان يملك الا حوالي 800 مليون دولار فضلا عن حوالي 17.5 مليار دولار تمثل الاحتياطي الإلزامي القانوني وبالتالي ممنوع من الصرف كونه يشكل 15% من ودائع الناس في المصارف. لكن لبنان يملك احتياطي من الذهب يفوق 24 تريليون ليرة وبحسب هانكي يمكن استعمال هذا الذهب الذي يكفي لتغطية الليرة اللبنانية 3 مرات في حال تم تثبيت سعر الصرف عند 5,000 ليرة للدولار وتصبح الليرة بعدها ثابته بشكل مستدام.

التحديات

الأمور بالطبع ليست بهذه السهولة والكمال، حيث يبقى العديد من التحديات.

التحدي الأول يكمن في كيفية ضمان الليرة بالذهب بعد ان فقد الشعب الثقة بالسياسات الاقتصادية والاجتماعية للطبقة الحاكمة التي استنفذت الاحتياطي الأجنبي كاملا.

شكل الذهب على مدى السنوات الطويلة الماضية عامل نفسي مطمئن لن يتخلى عنه الناس بسهولة قبل تلمس إصلاحات جوهرية وهيكلية في النظام السياسي والاقتصادي اللبناني.

كما ان هناك تساؤلات عديدة حول المخاطر التي يمكن ان يشكلها تثبيت سعر الصرف.

من الممكن ان يلائم هذا النظام الاقتصاديات الصغيرة والمتكاملة تجاريا وماليا. الا ان غياب القدرة على اجراء تعديلات على سعر الصرف، يحد من قدرة الاقتصاد ومرونته في الاستجابة للصدمات التي من الممكن ان يتعرض لها. فكيف الحال اذا في بلد يتعرض لأزمة مصرفية كبيرة ومعقدة؟

الخلاصة في سؤال وإجابة

بعد ان عاش لبنان سنوات طويلة من تثبيت سعر الصرف ساهمت في خفض الاحتياطات الأجنبية، هل من الممكن ان يكون الحل نظام اكثر صرامة يقضي على ما تبقي من الذهب؟

لمجلس النقد بدون شك فوائد عديدة خاصة في لجم الفساد الحكومي وجموح المركزي حول طبع الليرة بشكل مفرط الا انه ليس حل سحري كما يريد ان يتصوره البعض وان صح في أماكن أخرى. ان تعقيدات الأزمة اللبنانية الاقتصادية والمالية والنقدية والمصرفية تحتاج سلة حلول من الممكن ان يلعب مجلس النقد فيها دور مهم، الا انه يجب ان تسبقه إصلاحات هيكلية في الاقتصاد والسياسة المالية في لبنان.

إضغط هنا لقراءة المقال على موقع زاوية

Tags: Currency board, Economic recession, Exchange rate, Gold Reserves, Inflation, Reserves, إحتياط, احتياطي الذهب, الانكماش الاقتصادي, التضخم, سعر الصرف, مجلس نقد,