وسط غضب اللبنانيين… لا سقف لسعر صرف الدولار

Raseef 22 | ٣ آذار ٢٠٢١

أجّج وصول سعر صرف الدولار في السوق الموازية إلى عتبة عشرة آلاف ليرة لبنانية الاحتجاجات الشعبية في لبنان، فعادت في الثاني من آذار/ مارس، وبقوة، إلى مختلف المناطق، وخرج كثيرون إلى الشوارع وأشعلوا إطارات وقطعوا الطرقات تنديداً بما آلت إليه الأوضاع الاقتصادية.

وهوت العملة اللبنانية باتجاه عشرة آلاف ليرة مقابل الدولار الواحد، وهو مستوى متدنٍّ غير مسبوق منذ بدء الأزمة المالية والنقدية في البلاد في أواخر عام 2019، ويؤدي ارتفاع سعر الدولار إلى زيادة في أسعار السلع الأساسية والخدمات، وبالتالي تآكل قيمة مداخيل ورواتب المواطنين.

ورغم مرور نحو سنة ونصف على بدء موجة الاحتجاجات الشعبية، في 17 تشرين/ أكتوبر 2019، لم يتحقق شيء من مطالب المحتجين، بل زادت الأوضاع سوءاً، والوضع المعيشي بات مأزوماً أكثر من قبل. وهذه الأسباب مجتمعة تُخرج الناس إلى الشوارع عند كل حدث أو فرصة.

تحركات بالجملة
في الثاني من آذار/ مارس، نزل المتظاهرون إلى شوارع العاصمة بيروت، في السوديكو وبشارة الخوري والمدينة الرياضية وكورنيش المزرعة وطريق المطار. قطعوا الطرقات وأشعلوا الإطارات وحاويات النفايات، وتجمّع عدد من الشباب في ساحة الشهداء التي باتت تُعرف بساحة ثورة 17 تشرين.

وبدا الغضب واضحاً بين المحتجين، بسبب الأوضاع الراهنة وارتفاع سعر صرف الدولار الذي قد لا يكون مضبوطاً بأي سقف، ما سينعكس حتماً على معيشة الناس الذين هوى أكثر من نصفهم تحت خط الفقر.

“أنا ممرّض بقبض مليون ليرة، يعني 100 دولار، بشتغل بقسم كورونا 12 ساعة يومياً، لي نزّلني عالشارع هوي إنو بوصل لـ3 الشهر خالص معاشي”. هذه صرخة شاب عشريني تشبه في مضمونها صرخة رجل سبعيني نزل إلى الساحة بعدما ضيّقت مدينته الخناق عليه. وعاد شعار “كلّن يعني كلّن” يملأ الساحات.

كما كثيرون من الشباب، يرفض فيديل المولى ربط التحركات الأخيرة حصراً بوصول الدولار إلى عشرة آلاف ليرة، ويقول لرصيف22: “نزلنا وتحرّكنا على طريق المطار للمطالبة بحقوقنا كمواطنين، وتحرُّكنا هو نتيجة تراكمات نعيشها، من ارتفاع أسعار المحروقات وانقطاع التيار الكهربائي وغلاء ربطة الخبز وعيشنا المأزوم أيضاً، وسؤالنا دائماً: ماذا بالنسبة إلى مستقبلنا؟”.

المولى، وهو أحد أعضاء مجموعة اسمها “قلب الضاحية”، يعتبر أن تحرك الشباب في الضاحية الجنوبية لبيروت، المنطقة التي تقع تحت سيطرة حزب الله وحركة أمل، “يثبت أن الناس بدأت تلمس عدم صحة الوعود وهذه بداية فك ارتباطها بالطائفية”.

ويضيف: “نحن كمجموعة شباب نزلنا إلى الشارع للقول إننا هنا موجوعون ولتوجيه الناس للتظاهر هنا، فعادةً ينزلون ويحتجون في وسط بيروت”، ويتابع: “اللافت أن القوى الأمنية لم تصطدم معنا لأنها تدرك أن الصدام سيؤجج التحركات أكثر”.

وكان المولى قد تعرّض للضرب على رأسه فور وصوله إلى مدخل المبنى الذي يسكن فيه، عائداً من الاحتجاجات، من قبل شابين هربا بعدما تجمّع الناس، ما يوضع في خانة الرسائل التي ترسَل إلى مَن يريدون التغيير ويقطنون في المناطق ذات الأغلبية الشيعية.

“نزلنا وتحرّكنا للمطالبة بحقوقنا كمواطنين، وتحرُّكنا هو نتيجة تراكمات نعيشها، من ارتفاع أسعار المحروقات وانقطاع التيار الكهربائي وغلاء ربطة الخبز وعيشنا المأزوم أيضاً، وسؤالنا دائماً: ماذا بالنسبة إلى مستقبلنا؟”
من جهته، يقول الناشط في التحركات الشعبية حسام الأحمدية لرصيف22: “نزلت ليس لأن كل فترة يجب أن نقوم بردة فعل على ‘ترند’ يبدأ صباحاً وينتهي مساءً، بل لأن المفروض أن تعود روحية 17 تشرين”.

ويضيف: “للأسف، صرنا نقوم بردات فعل ثم نعود وننتظر مصيبة أكبر لكي نتحرك مجدداً. ربما هذا طبيعي لأن الناس صارت تعرف أن حرق الإطارات والهتافات أعمال لا تنتزع حق الفقير من طاغية”. وبرأيه: “بعد بكير لتصير المواجهة عمستوى المصيبة”.

وكما في بيروت، عمّت التحركات شوارع صيدا والنبطية وصور وزحلة وشتورة وبعلبك وحاصبيا/ مرجعيون. وفي بعض المناطق، توجّه عدد من الشباب إلى محال الصيرفة لإجبارهم على الإقفال، كما حصل في صيدا وشتورة.

وفي عاصمة الشمال، لم يكن المشهد مختلفاً، فقد خرج الناس منذ الصباح الباكر وقطع المحتجون الطرق المؤدية إلى ساحة عبد الحميد كرامي وبعض الطرق الرئيسية.

وبرأي الناشط في مختلف ساحات الثورة من الشمال إلى بيروت مصطفى الدهيبي، لا يزال الثوار في الشارع منذ 17 تشرين وحتى اليوم. ولكنه يطرح جملة تساؤلات حول تحرّكات الثاني من آذار/ مارس ويقول لرصيف22: “بالأمس، خرج محتجون في بيروت يحظون بغطاء سياسي إلى الشارع، احتجاجاً على الأوضاع المعيشية الصعبة، بدليل أن القوى الأمنية لم تتصادم معهم”، ويضيف: “الخوف هنا من أنهم يتحركون بأمر حزبي ثم يخرجون من الشارع، رغم أنهم يعانون من أوضاع معيشية خانقة، مثلنا”.

وفي نهاية مساء الاحتجاجات، أعيد فتح الطرقات التي أقفلها المحتجون لكن الوضع بات أشبه بقنبلة موقوتة ولا أحد يعلم متى ينفجر الشارع، حسبما تقول غالبية المحتجين.

وظهرت تحركات متقطعة نفّذها عدد من المحتجين صباح الثالث من آذار/ مارس، في الشمال والجنوب، وسط دعوات لجميع اللبنانيين للنزول إلى الشارع. ولكن لم تصل الأمور إلى زخم اليوم السابق.

أسباب متراكمة
عوامل كثيرة ساهمت في تسريع وتيرة ارتفاع سعر صرف الدولار، وفق خبراء الاقتصاد، منها الفتح التدريجي للبلاد بعد إقفال دام أكثر من شهر ونصف، وبالتالي فتح الأسواق، ما دفع بالتجار للجوء إلى السوق السوداء لتأمين العملة الخضراء الضرورية لاستيراد البضائع، ومنها العامل النفسي لدى الناس وفقدانهم الثقة بالعملة الوطنية، وشح الدولار لدى المصرف المركزي، ما يمنعه من التدخل وضخ الدولارات لوقف انهيار الليرة.

“للأسف، صرنا نقوم بردات فعل ثم نعود وننتظر مصيبة أكبر لكي نتحرك مجدداً. ربما هذا طبيعي لأن الناس صارت تعرف أن حرق الإطارات والهتافات أعمال لا تنتزع حق الفقير من طاغية. بعد بكير لتصير المواجهة عمستوى المصيبة”
ويأتى تراجع سعر صرف الليرة في الأسبوع الذي تنتهي فيه مهلة أعطاها المصرف المركزي للمصارف التجارية لزيادة رأسمالها وتأمين السيولة الخارجية.

وبحسب الخبير الاقتصادي باتريك مارديني، فإن “إعادة هيكلة المصارف وتحديداً زيادة ودائعها بنسبة 3%، اضطر المصارف إلى سحب الدولار من السوق” ويضيف لرصيف22: “بعض المصارف سيستمر في سحب الدولارات إلى حين وصوله إلى السقف الذي حدده البنك المركزي، وبانتظار تقرير لجنة الرقابة على المصارف”.

وأشار مارديني إلى أن “ارتفاع سعر المحروقات عالمياً زاد من الطلب على الدولار أيضاً”.

وكان حاكم مصرف لبنان رياض سلامة قد أصدر تعميمين طلبا زيادة رأس مال كل مصرف بما نسبته 20% (يسمح أن تكون 10% منها عقارات) وإعادة الدولارات في حسابات المصارف اللبنانية لدى المصارف المراسلة في الخارج بما نسبته 3% من مجمل الودائع بالدولار، أي قرابة 3.4 مليارات دولار للمصارف مجتمعة.

ونفت جمعية المصارف في لبنان ما يُتداول عن دور المصارف في سحب الدولارات وبالتالي ارتفاع سعر صرف الدولار في السوق السوداء، وقالت في بيان أصدرته في الثالث من آذار/ مارس إن “متطلبات السيولة المصرفية في الخارج من قبل مصرف لبنان وفق التعميمين تتعدى 3.4 مليار دولار على مستوى القطاع”، متسائلة: “هل يعقل أن تجتذبها المصارف من السوق السوداء المحلية التي لا يتجاوز حجمها بعض الملايين من الدولارات؟”.

وأرجعت الجمعية أسباب ارتفاع سعر صرف الدولار إلى الضبابية والمناكفات السياسية في البلاد، والاستيراد غير المدعوم، وشحّ الدولار في السوق المحلية، وتخزين الدولار في المنازل وغيرها من الأسباب.

الدولار إلى أين؟
يرى مارديني أن اتجاه الدولار على المدى الطويل تصاعدي، وسيشهد سعره مزيداً من الارتفاع، لأن السلطة لم تضع أيّ حلول على السكة، والمصرف المركزي يطبع الليرة بكثافة وبالتالي تنخفض قيمتها، ولا أحد يثق بالليرة.

وبحسب خبراء ومتابعين، لا سقف لارتفاع سعر صرف الدولار، لا سيما أن ذلك لن يكون إلا عبر تأليف حكومة تضع خطة إنقاذية بدعم من صندوق النقد الدولي.

وفي ظل التخوفات من وصول الدولار إلى 15 ألف ليرة في وقت قريب، يقول مارديني “السؤال الأهم ليس إنْ كان سيصل إلى 15 ألفاً وإنما متى سيصل”.

ولكن هل المعالجات لا تزال ممكنة؟ يعتبر مارديني أن لجم ارتفاع سعر الدولار ممكن في حال مثلاً تمّ تشكيل مجلس نقد يعمل على إعادة الثقة بلبنان ويستقطب تدفقات للعملة الأجنبية، لكن ذلك يحتاج إلى إقرار قانون في مجلس النواب وتشكيل حكومة جديدة.

إضغط هنا لقراءة المقال على موقع رصيف 22

Tags: Banks, Currency board, Devaluation, Exchange rate, IMF, Lebanese pound, restructuring the banking sector, إعادة هيكلة القطاع المصرفي, الليرة اللبنانية, تخفيض قيمة العملة, رأس مال المصارف, سعر الصرف, صندوق النقد الدولي, مجلس نقد, مصارف,