هل يسرّع “قانون قيصر” المفاوضات مع صندوق النقد الدولي؟

موقع الإقتصاد | ١٥ حزيران ٢٠٢٠

أعربت مجموعة الدعم الدوليّة للبنان مرارا عن قلقها إزاء ما يواجهه لبنان من أزمة ما يضعه أمام خطر الفوضى الاقتصاديّة وغياب الاستقرار.

وذكرت المجموعة، أنّه “من أجل وقف التدهور الاقتصادي واستعادة الثقة بطريقة مستدامة ومواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية ترى المجموعة أنّه من الضروري تبنّي سلّة إصلاحات مستدامة وموثوق بها لمواجهة التحديات الطويلة الأمد في ​الاقتصاد اللبناني​.

ورأت أنّه “على المدى الطويل، وخلال الأشهر الستّة الأولى بعد تشكيل الحكومة، وجب اتّخاذ إجراءات لوضع نظام اقتصادي ثابت … وفي هذا الإطار، على السلطات الالتزام بوضع المشاريع الاستثماريّة على قائمة الأولويّات، من خلال لجنة وزاريّة”.

واعتبرت المجموعة أنّ “الدعم من المؤسّسات الماليّة الدوليّة ضروري لمساعدة السلطات في جهودها لتطبيق الإصلاحات”.

كما جدّدت المجموعة “استعدادها للمساعدة في هذه الخطوات ودعت السلطات اللبنانيّة الى طلب الدعم من المجموعات الدوليّة”.

اليوم، يتولى ​صندوق النقد الدولي​ المساعدة حائرا بين ارقام فرشت على طاولته خلال المفاوضات ، لا احد يعرف المغزى ، ولكن بالضرورة النتيجة ، وهي فوضى النفقات والايرادات في دولة منهوبة على مرأى من السلطات السياسية والنقدية .

ومؤخرا ، طارئ آخر بدأ يواكب المفاوضات ويهدد بنهاية سلبية وهو “قانون قيصر” الذي دخل لائحة تاريخ الحرب في ​سوريا​ . وهناك تلاقي على ان التأثير الأكبر سيكون على لبنان، اذ ان القانون سيُحمّل ​الحكومة اللبنانية​ مسؤولية كبيرة في إنعاش ​النظام السوري​.

والبعض يتحدث عن ان مصادر المواد الموجودة في ​الاسواق السورية​ مرتبطة بتجار لبنانيين ، هذا عدا عملة ​الدولار​ التي يتم تسريبها بغطاءات مختلفة .

اذا تداعيات تنفيذ القانون المذكور لا يمكن ان تعفي لبنان ، الذي يشكل باحة مالية ومصرفية وتجارية خلفية لسوريا . والادارة الاميركية بعثت اول رسالة الى لبنان في هذا الشأن عن طريق الكشف بوقف المساعدات عن الجيش اللبناني.

اذا ، في هذه المرحلة ، يقفز السؤال عن ارتدادات هذا القانون على سير المفاوضات مع صندوق النقد ، الذي يهوّل البعض بأنه لم يعد متحمسًا كثيرًا لنتائج ترجى من المفاوضات مع حكومة لبنان، خصوصا ان المؤشرات التي حصدها حتى اليوم حول ​مكافحة الفساد​ واستئصاله ، وضبط التهريب على المعابر بشكل حازم غير مشجّعة .

باختصار هل من تأثير لقانون قيصر الذي بدأ يتجرّع كأسه لبنان على سير المفاوضات مع صندوق النقد ؟

مارديني

يقو ل رئيس المعهد اللبناني لدراسات السوق ​الخبير الاقتصادي​ الدكتور باتريك مارديني ان هناك تعاون وثيق اقتصادي بين لبنان وسوريا ، بحكم الجغرافيا والحدود البرية المفتوحة بين البلدين .

قبل ا زمة الحرب السورية، كان التصدير ناشطا من لبنان الى ​الدول العربية​ ، اي الى داخل السوق العربي عبر البوابة السورية . وكان هناك نوع من التداخل . خلال الحرب ، خفّت هذه القنوات وغابت كما تراجع معها ​التكامل الاقتصادي​ .

وما حصل هو تحوّل لبنان الى الرئة الوحيدة الاقتصادية لسوريا ، اي اصبح ​رجال الاعمال​ السوريين يلجأون الى فتح حسابات في لبنان . ولقد اعتمدوا على ​النظام المصرفي​ اللبناني لتسيير امورهم بسبب الاوضاع في سوريا .

محظورات القانون

وفي ما يتعلق ” بقانون قيصر ” ليس واضحا كيف سيطبّق ، الا انه بالتأكيد سيخلق صعوبات على البلدين ، خصوصا وان هناك شريحة لا بأس بها كانت تصبو الى دور هام في ورشة ​اعادة اعمار سوريا​ مؤكدين انها مشاريعها ستمر عبر لبنان .

كما علقّت الآمال على نتائج اكتشاف ​الغاز​ والنفط في لبنان بأنها ستحل ّ كل المشاكل.

ان الكلمات في قانون قيصر مطاطة . ولا يمكن فهم حقيقة ما يتضمنه هذا القانون من احكام قبل دخوله حيذ التنفيذ.

وفي غضون ذلك ، ما تم فهمه لغاية تاريخه ، انه يحظر التعامل مع اربعة قطاعات كبرى في سوريا هي :

​الطاقة​ – الاعمار- الطيران والسفر – الهندسة .

– وهنا يمكن القول ان تهريب المازوت الى سوريا يدخل ضمن الحظر طالما انه يندرج ضمن الطاقة .

وفي قضية اعمار سوريا ، اذ يمنع تمويل هذا النظام لتنفيذ اعادة الاعمار يحظرعلى اي رجل اعمال غير سوري الدخول في مشاريع في سوريا .

كما يمنع شراء الغاز السوري .

ويتابع : لاشك ان “قانون قيصر ” له تداعيات اقتصادية في كل من البلدين ، سيما وان المؤسسات و​المصارف التجارية​ التي كانت تعمل في سوريا لن تعمل بعد اليوم ، والأمر نفسه للمؤسسات السورية التي كانت تستفيد من الاقتصاد اللبناني .

هذا القانون يضرب شرعية العلاقة المالية والاقتصادية التي ستصبح اصعب . وتدهّور ​الليرة اللبنانية​ سيكون دراماتيكيا كما هو حال ​الليرة السورية​ .

اذا قانون قيصر سيضرب شرعية العلاقة بين البلدين .

ويرى الدكتور مارديني انه لا يجوز ابدا تسييس دور صندوق النقد الدولي كما يعمد البعض الى التحدّث عنه . فالصندوق لايضع شروطا سياسية ، ولكنه ينظر الى الخلل الاقتصادي في البلد ، الى ​المبادئ​ المعتمدة ؛ من عمليات تهريب تتم الى سوريا للمواد المدعومة من ​الدولة اللبنانية​ كالمازوت ، ​المحروقات​ ، ​القمح​ وحتى ​الادوية​ .

ويشير الى ان هذا لا يحصل في لبنان فقط ، وانما في اي بلد آخر تكون فيه المواد مدعومة فيعمل على تهريبها الى البلدان المجاورة .

فسياسة الدعم تخفضّ ​اسعار السلع​ ، وبالتالي ، هذا الأمر يجذب التجار الى شراء السلع بالسعر المنخفض في لبنان، ليتم بيعه في الدول المجاورة بسعر أغلى وتحقيق الأرباح .

والمسؤول عن سياسة الدعم هو ​مصرف لبنان​ الذي ينفذّها من احتياط الدولار الذي يملكه. ولا شك ان هذه السياسة مكلفة ، وتؤدي الى خسارات كبيرة في ​احتياطات​ مصرف لبنان .

هذا التوجّه لا يقبله صندوق النقد . واول ما سيوصي به هو بالطبع وقف دعم السلع .

ولن يعطي لبنان اي قرش بدون وقف سياسة الدعم للمواد الاولية التي يتم تصديرها الى خارج السوق اللبناني بطريقة غير شرعية .

وتساءل مارديني عن موقف الصندوق في حال طبقّت الحكومة قرار دعم السلة الغذائية كما نقل وتم اقراره .

اذا موقف الصندوق وتوصياته لن تبنى بمقتضى اي عقوبات جديدة على سوريا وحلفائها ولكن بناء على قدرة السلطات اللبنانية باتخاذ القرارات اللازمة وتطبيقها بما يحمي الاقتصاد من الهدر والتهريب والفساد والانفاق غير المجدي .

هناك تقاطع بين الاصلاحات التي يطلبها الصندوق عادة من الدولة وبين ما يفرضه ” قانون قيصر ” . فصندوق النقد يركّز على تجفيف منابع هدر الاموال ولاسيما منها اقفال معابر التهريب ووقف دعم السلع المدعومة التي هي ​حافز​ رئيسي للتهريب.

ويخلص مارديني الى القول : ​العقوبات الاميركية​ و”قانون قيصر” سيحكمون شدّ الخناق على لبنان وسيسّرعون وتيرة الانهيار، ما سيحمل الحكومة على التعجيل في مراحل مفاوضاتها مع الصندوق ، والابتعاد عن تضييع الوقت .

ضفة العزلة الدولية !

في مطلق الاحوال ، المفاوضات مستمرة حتى تاريخه مع الصندوق ، بعيدا عن اي تصوّر جازم بان الحل السحري سيخرج من القمقم بلمحة بصر . واذا كانت قواعد السياسية العامة للصندوق تسبق احكام “قانون قيصر “، فان جرأة الحكومة في اتخاذ قرارات سريعة وحكيمة اصبحت ملّحة وسط سخط الشارع وتحت المجهر الدولي، تلافيا من نقل لبنان الى ضفة العزلة متخّبطا ومتروكا ، في مرحلة كان من المفترض فيه ان يتم احياء مئوية دولة لبنان الكبير .

إضغط هنا لقراءة المقال على موقع الإقتصاد