هل يخرج أرنب الحل لمناقصة محروقات الكهرباء؟ العليّة: لا شيء يمكن أن يحرجني لمخالفة القانون

النهار | ١٤ كانون الأول ٢٠٢٠

في 4 حزيران الماضي، أبلغت شركة “سوناطراك” الجزائرية وزير الطاقة عدم رغبتها في تجديد العقد لاستيراد الوقود لمصلحة “مؤسسة كهرباء لبنان” الذي ينتهي في 31 الجاري. ومع ذلك، لم ترسل وزارة الطاقة الى إدارة المناقصات دفتر شروط كاملاً موقعاً من وزير الطاقة إلا قبل يومين، اي عشية موعد إدلاء المدير العام لإدارة المناقصات بشهادته في هذا الملف أمام لجنة الأشغال العامة والنقل والطاقة الخميس المقبل. وفي الانتظار، يبقى السؤال: هل نحن امام عتمة شاملة أول السنة ام ان الحل سيأتي كما العادة بعد استنفاد المعنيين الوقت وصولا الى ساعة الحشر فيُستخرج ارنب الحل من اكمام سحرتهم ليضعوه على الطاولة كأفضل الشرور؟!

فبعد أيام على اتهام وزير الطاقة السابق سيزار أبي خليل رئيس إدارة المناقصات جان العلية بالتزوير، قدم الأخير ردا مفصلا بالمستندات والوثائق، واحتكم إلى لجنة الأشغال والطاقة النيابية، التي دعا رئيسها النائب نزيه نجم إلى جلسة مخصصة للبحث في موقف العلية وملاحظاته حول دفاتر شروط مناقصة المحروقات المذكورة. وعليه التمس العلية من هيئة القضايا في وزارة العدل القيام بالمراجعات والادعاءات المطلوبة قانونا دفاعا عن كرامة المؤسسات الرقابية وحقوق العاملين فيها في ضوء تعرّض الوزير المذكور لإدارة المناقصات ورئيسها في برنامج تلفزيوني.

وفي حين لا يستغرب المدير العام السابق للاستثمار في وزارة الطاقة والمياه غسان بيضون “محاولة رئاسة التفتيش المركزي الدخول على خط المناقصة من خلال طلب صورة عن تقرير خبراء الاتحاد الأوروبي لإحالته على التفتيش الهندسي، في محاولة لمصادرة صلاحية إدارة المناقصات ومحاصرة رئيسها”، فإن الأغرب برأيه هو “حماسة منشآت النفط بحلّتها الجديدة وحرصها على مبادئ الشفافية والحيادية، قبل أن تنتهي التحقيقات في ملف الفيول المغشوش، وبعد سنوات من دخول مافيا الفساد على خط العلاقة مع سوناطراك”. ويقول: “ها هم دعاة الإصلاح يصرّون اليوم، بعد موجتي البواخر ومقدمي خدمات التوزيع، على الاستيلاء على سوق حاجة كهرباء لبنان من المحروقات لزوم البواخر ومعامل الإنتاج، وعلى تمرير دفاتر شروط مناقصتها المفصلة مجددا على القياس”.

بالعودة إلى ردود رئيس إدارة المناقصات حول دفاتر الشروط إياها، يتبين أنه يتهم وزارة الطاقة بالادعاء بوقائع مغايرة لحقيقة ما حصل، والخلط بين طلب إبداء الرأي بدفاتر الشروط وطلب إطلاق المناقصة، وبالغموض في خياراتها بشأن الشركات المقصود إشراكها، بحيث بدا ذلك وكـأنه مجرد جس نبض حول ما يمكن أن يبديه من مآخذ على دفاتر الشروط، أكثر مما هو تعبير عن طلب صريح لإطلاق المناقصة، لاسيما أن هذه المراسلات لم ترد بتوقيع الوزير، فضلاً عن ترددها في اعتماد صيغة نهائية ومستقرة لدفاتر الشروط هذه.

وبعدما ذكَّر بمساهمة وزارة الطاقة ومؤسسة الكهرباء في الانهيار المالي الذي أصاب الدولة والمواطنين معاً، أكد العلية أن “لا شيء من هذا القبيل يمكن أن يغير قناعاته أو يحرجه أو يستدرجه لمخالفة القانون، تحت أي ظرف من الظروف التي تقع معالجتها بطرق استثنائية خارج صلاحيات إدارة المناقصات المعنية بالحرص على المال العام والتقيد بمقتضيات المصلحة العامة التي ناط بها القانون حراستها”. واعتبر أن “الاجتهاد الصادر عن مستشار قانوني لوزير الطاقة والمياه لا يشكل بالنسبة إليه نصا يعفيه من المسؤولية، وأن الهيئة التي تبنت رأي المستشار من دون أي شرح او تعليل أو تفسير يبقى مجرد رأي غير ملزم”. وأضاف أن الوزارة “هي التي بادرت طوعا إلى الطلب من إدارة المناقصات تدقيق دفاتر الشروط، في الوقت الذي تخضع المديرية العامة للنفط مع إدارة منشآت النفط التابعة لها لتحقيق قضائي في قضية الغش المتمادي في نوعية الفيول الذي كان يتم تسلمه بناءً على تدخل وحدات وموظفين تابعين للمنشآت الباقية خارج مفاعيل المرسوم الرقم 79/1977 القاضي بدمجها بالمديرية العامة المذكورة لتخضع لرئاستها ورقابتها التسلسلية، فتقع ضمن نطاق وزارة الطاقة الخاضعة لقانون المحاسبة العمومية ولرقابة ديوان المحاسبة المسبقة والمؤخرة معا. والأفدح هو تضمين دفتر الشروط بنوداً تحدّ من المنافسة وتحرم الشركات الوطنية المشاركة، وتربط تصنيف العارضين بشركة يعيّنها الوزير، لتتحكم باختيار المقبولين والسماح بانتهاك نتائج فض العروض المالية، بإخراج قسمين من المناقصة في حال فوز عارض واحد بالأنواع الثلاثة من المحروقات وتجييرهما لمن يليه بسعر أعلى من سعر الفائز، بما يخالف منطق المناقصات وقواعدها القانونية”.

بعد كل هذه التفاصيل، يسأل بيضون عن الأسباب الحقيقية التي استدعت تأجيل جلسة لجنة الأشغال والطاقة النيابية، وما إذا كان اقتراح التمديد لعقد “كهرباء زحلة”، الذي كان متوقعاً عرضه خلالها، أضفى مزيداً من الإحراج للقيمين على وزارة الطاقة وأتباعها من المؤمنين بنهجها، لا سيما أن أصل العقد مخالف للقانون والدستور، وأن تنفيذه فشل على المستوى المالي والمحاسبي والتقني، ما استدعى السير باتجاه “مصالحة” يجري إعدادها وإخراجها مع المراجع القضائية المختصة. ويبدو أن أعلى السلطة و”مجتهديها” نجحوا في إعفاء “الفساد الطاقوي” من إحراج كبير وفشل كانوا ليتعرضوا له لو أن الجلسة انعقدت في موعدها”. وتعليقاً على موقف وزير الطاقة ريمون غجر، نصح بيضون الاخير بـ”التحرر من ذلك النهج المستمر بالعبث بشؤون الطاقة، وممارسة قناعاته وأسلوبه العلمي الخاص في إدارة شؤون الوزارة”. أما في ما يتعلق بتوسعه في مروحة الاحتمالات والحلول المتاحة لمعالجة أزمة المحروقات، فتبدو الغاية منها، وفق ما يقول بيضون، “أقرب إلى تحميل إدارة المناقصات المسؤولية عن التقصير والتأخير وتجاوزهم للأصول”، مفسرا إعلان مصادر رئيس الجمهورية أنه لن يسمح بحصول أزمة بكونه “لا يعدو اللجوء إلى بدعة الموافقات الاستثنائية بين القصرين، التي باتت تختصر السلطة الإجرائية بطلب يوجهه الوزير إلى رئيس حكومة تصريف الأعمال بمباركة فخامة الرئيس ويفيد الأمين العام لمجلس الوزراء عن نتائجها”!

وبعدما ذكَّر بيضون بأن مجلس الوزراء هو الذي يتولى منذ سنوات تأمين المحروقات لزوم الكهرباء، قال: “ان القرار الجيد والمسؤول هو الذي يصدر عن السلطة الصالحة في الوقت المناسب ويبنى على معلومات دقيقة، موثوق بها وأكيدة. والمهم ليس مجرد توقيع دفتر الشروط وإنما أن يتم توقيعه في الوقت الملائم ومن قِبل المرجع الصالح لعقد النفقة، وزير الطاقة وليس المدير العام للنفط، ويكون إرساله بقصد الإعلان عن إطلاق المناقصة وليس لجس النبض واستكشاف النيات”. وسأله عن “رصيد العقد مع سوناطراك وماذا ينتظر للتواصل مع الشركة ليتحقق ويعلن حقيقة استعداده للاستمرار بتأمين هذا الرصيد، ولماذا لم يباشر اتصالاته بدولة العراق لاستطلاع إمكان المساعدات الممكنة وحدودها، ولماذا لا يعلن عن كمية المحروقات المتوافرة لدى المؤسسة في خزاناتها اليوم”؟!
ويختم بيضون بالسؤال عما إذا كانت “مَونة الكبار سوف تفيد مرة أخرى في ستر فضيحة دفتر شروط مناقصة المحروقات المفصّل بعد ما كشفه بالأمس إعلان النيات الصادر عن المديرية العامة للنفط وما انطوى عليه من تهديد لتمرير دفتر الشروط المفصل، وإلا باعتماد الـ Spot Cargo معبراً جديداً للفساد ووسيلة لهدر المال العام والانتفاع منه دون وجه حق”!

وهذا الامر أكده رئيس المعهد اللبناني لدراسات السوق الدكتور باتريك مارديني الذي اعتبر ان “وزارة الطاقة تسعى الى شراء المحروقات من دون المرور برقابة إدارة المناقصات، عن طريق اعتمادها عقدا فوريا (Spot Cargo)، فلجأت كعادتها الى حشر الوقت والتلويح بالعتمة”. ويكشف ان الوزارة “أرسلت قبل اقل من شهر فقط على انتهاء عقد سوناطراك، دفتر شروط تشوبه بعض العيوب الى إدارة المناقصات رغم ان الأخيرة كانت قد لفتت النظر اليها بمراسلات سابقة، بما يعني ان التأخر في إرسال دفتر شروط ثم تقديم دفتر شروط تشوبه ملاحظات يستغرق إصلاحها وقتا، ان الوزارة تضع المواطن مرة جديدة امام خيار تمرير صفقة العقد الفوري من دون رقابة إدارة المناقصات او اغراق لبنان بالعتمة”.

إضغط هنا لقراءة المقال على موقع النهار

Tags: Bid management, Hydrocarbons, إدارة المناقصات, المحروقات, وزارة الطاقة و المياه,