هل يتم التدقيق في حسابات مصرف لبنان قبل اقرار خطة انقاذية؟ وما هو مغزى التعميمين 148و 149؟

موقع الإقتصاد | ٩ نيسان ٢٠٢٠

ليست المرة الأولى التي يعاني فيها لبنان من ​ازمة اقتصادية​ ومالية، ولكنها تكاد تكون شبه الوحيدة التي يشن فيها هجوما شرسا على ​القطاع المصرفي​ بعدما أعتبر في فترات سابقة ، لاسيما بعد الطائف انه الرافعة الاساسية للاقتصاد الوطني ، خصوصا وان ​المصارف​ مولّت الدولة بشكل رئيسي وان كان ذلك بفوائد مرتفعة ساهمت في تكبير حجمها على حساب قطاعات اخرى ، ما حرم الإقتصاد من ان يكون مبنيا على ركائز متينة تخوّله الصمود في وجه الهزات على انواعها الامنية، السياسية، الصحية وغيرها…

الا ان ثورة 17 ​تشرين الاول​ في 2019 افضت الى الكثير من الآليات المصرفية المتبعة ، والتي تمنع المودع من الحصول على امواله لاسباب كثيرة اصبحت معها مدخرات متوسطي الحال رهينة القطاع ، فيما تم تهريب الحسابات الكبيرة الى الخارج تحت ​رقابة​ المصارف او بغيابها ، ولكن بالتأكيد بدون اي مساءلة او محاسبة .

وفيما انشغل لبنان بقضية تسديد استحقاقات ​الدين العام​ للخارج والداخل على فترة، تلتها ازمة تفشي كورونا وحالة التعبئة العامة التي فرضتها الحكومة ، عمل ​مصرف لبنان​ على اصدار تعاميم لم تحدد فعليا الغاية منها بتحرير اموال بعض المودعين ، سيما ، وان رئيس مجلس النواب نبيه بري يرفض حتى تشريع “الكابيتال كونترول ” فكيف حال ال” هير كات ” اللذين اصبحا امرا واقعا بمفهوم المصارف رغم التطمينات .

وقبل تحديد مفهوم التعميمين 147و148 والغاية الفعلية منهما ، لابد من الاشارة الى بعض المعلومات وهي انه ولأول مرة منذ العام 1992 ستخضع حسابات مصرف لبنان للتدقيق من قبل شركات تدقيق عالمية بعدما امتنعت الحكومات السابقة عن الاطلاع عليها او المس بها ، كونها سرية.

اذا ، قرار مفصلي اتخذته الحكومة مؤخرا وهو يقضي بالتدقيق في حسابات مصرف لبنان و المصارف كافة و هو اساسي بحسب خبير مالي لأن :

– أي خطة اقتصادية شاملة لا بد أن تستند إلى أرقام صحيحة لتحقيق النجاح .

– الحجز على أموال المودعين منذ تشرين الثاني 2019 في كل المصارف ، و في وقت واحد يثير الشكوك.

– الكلام عن تبخر 50 مليار دولار من أموال المودعين لا بد من رصده وتحديد مصير الاموال .

– الاموال التي هربت بعد 17 تشرين الاول لا بد من تعقبها.

– اذا ما تأكد التعثر يجب التوازن في حمل الأعباء بين أموال المصارف و أموال المودعين ولكن بعد ملاحقة أموال المصارف و أموال أصحاب المصارف في العالم .

– ما من تأكيد على ان المصارف لم تعتبر أن أموال المودعين جزء من أرباحها.

– التدقيق يجب أن يحسب الأرباح غير المستحقة للمصارف الناتجة عن الفوائد العالية، و الاحتكار في سوق السندات ، و تبادل القروض مع مصرف لبنان و الهندسات المالية، وبالتالي يجب أن تحتسب الارباح لصالح الخزينة.

ويقول الخبير ان المصارف تشارك في تحمل مسؤولية ​افلاس​ عدد كبير من الشركات ومسؤولة عن التصرف بأموال الغير ، و حجزها و تجميد الإقتصاد و خسارة الوظائف .

ويقول الخبير : ساهمت المصارف في أخطاء حقبة يحصد الاقتصاد الوطني نتائجها اليوم افلاسا ، لأنها كانت تحقق ارباحا ، وهذا من حقها ، فهي ليست جمعيات خيرية ، ولكنها لم تتجرأ على منع الدولة من الانزلاق اكثر فاكثر في الاستدانة .

وبالعودة الى التدابير المصرفية المتخذة لاسيما منها التعميمين رقم 148 و149 الصادرين عن ​حاكم مصرف لبنان​ بتاريخ 3 نيسان 2020، فالاول مرتبط بالسحوبات النقدية من الحسابات الصغيرة، والثاني بإنشاء وحدة جديدة تتولّى التداول بالعملات الاجنبية النقدية، ولا سيما بالدولار الاميركي وفقاً لسعر السوق.

قد يكون التعميمان تدبيرين عاديين ، ولكنهما ينطويان على غموض وضياع للمودعين لايمكن تفسيرهما خصوصا في هذه الظروف الحساسة التي يصر فيها المودعون على معرفة مصير اموالهم ومدخراتهم في المصارف .

مارديني

برأي ​الخبير الاقتصادي​ الدكتور باتريك مارديني ان التعميم يعني إقرار نوع من “الكابيتال كونترول” الذي كان يتهرّب مجلس النواب من إقراره، فتجرأ البنك المركزي.

وهو يعني أيضاً أن كل وديعة في المصرف تتخطى الـ3 آلاف دولار لا يستطيع صاحبها سحبها بالدولار بعد الان ، بل بات مجبراً على سحبها بالعملة الوطنية بحسب سعر الصرف الرسمي أي 1500ليرة ، وهذا “هيركات” مقنع على السحوبات التي تتخطى الـ3 آلاف دولار أو 5 ملايين ليرة. صغائر المودعين الذين يملكون حسابات تحت الـ3 آلاف دولار لا يستطيعون سحبها بالدولار ، إنما بالليرة اللبنانية ، ولكن بحسب ” سعر السوق” الذي يبدو انه يختلف عن سعر السوق الحقيقي ، لأن الاتجاه هو لتحديده على ال 2600ليرة ، وبالتالي، منذ تاريخ التعميمين باتت كل السحوبات بالليرة اللبنانية، مع ” هيركات ” 50% على من يملك اكثر من 3000دولار ، و”هيركات ” 10% على من يملك اقل من 3000دولار خصوصا ان سعر السوق الحقيقي اليوم يصل الى 2880 ليرة .

ما وراء التعميمين !

بدأ البحث عن تحديد سقف الودائع الصغرى والمتوسّطة بالتصاعد منذ التلميح حول احتمال اللجوء الى “هيركات” او اقتطاع على الدين العام للدولة، وهذا من شأنه أن يرتد على المصارف صعوبة لامتصاص خسائرها من خلال رساميلها الخاصة ، وبالتالي ، قد يدفعها الى ان تعرض فيه على الزبائن فوق خط “صغار المودعين” المشاركة بزيادة رساميلها والتحوّل الى مساهمين.

في الواقع ، سمح التعميمان باطلاق توقعات وحسابات كثيرة فيما إن المودعين الذين لا يملكون أكثر من 5 ملايين ليرة أو 3 آلاف دولار في نفس الفرع المصرفي، في حساب واحد أو أكثر، هم أقلّ كثيرا من 1.6 مليون مودع، كما تم التداول به . وتدبير ” المركزي ” ليس الأهم ، ولكنه مقدمة لتعاميم أخرى على الطريق .

وفق أرقام ​جمعية المصارف​ حتى نهاية شهر شباط 2020، يتبيّن أنّ أكثر من 90 % من المودعين لا تتخطى ودائعهم 100 ألف دولار ويحوزون على ما دون 14 % من مجموع الودائع، أي 5،22 مليار دولار، بينما تبلغ حصة 98 % من المودعين حتى 500 ألف دولار وما دون 40 % من الودائع، أي 6،61 مليار دولار.

باختصار، اتى التعميمان بمثابة مقدمة لما يتم تحضيره على صعيد ​السياسة المالية​ المقبلة .

و بغض النظر عن كيفية تعاطي هؤلاء المودعين مع التعميمين بحثا عن اموالهم ، لا يمكن تجاهل فكرة ان هذه الاموال اقرضتها المصارف في قسم كبير منها للدولة لتغطية احتياجاتها ونفقاتها .

وفي يوم الحساب ، اقفلت الابواب فيما استقر الاقتصاد على مستوى ركود عميق في ​الناتج المحلي​ الإجمالي، وإعادة هيكلة معقدة للديون، وإعادة ​رسملة​ حتمية للمصارف مع خطر حقيقي من ثقب الودائع.

وباتت اليوم عملية إعادة ضبط السياسات النقدية والمصرفية ملحة لاحتواء مشاكل الملاءة المحتملة والافراج عن اموال المودعين .

إضغط هنا لقراءة المقال على موقع الإقتصاد

إضغط هنا لقراءة المقال على موقع صحيفة البدع