لماذا يطالب لبنانيون بإقالة حاكم مصرف لبنان؟

Raseef 22 | ٢٨ نيسان ٢٠٢٠

في وقت لا تزال وتيرة الاحتجاجات الشعبية تتصاعد في لبنان، ارتفعت الأصوات المنادية بإقالة حاكم المصرف المركزي رياض سلامة، وهو مطلب ظهر كثيراً منذ بدء ثورة 17 تشرين الأول/ أكتوبر 2019، ولكنه تزايد في الاحتجاجات التي عادت بعد أكثر من شهر من الركود بسبب الحجر الصحي، لسبب بسيط هو تأزم الواقع المعيشي والاقتصادي في لبنان أكثر.

على مدى أعوام، لا سيما قبل عام 2016، اعتاد غالبية اللبنانيين مديح سلامة على اعتبار أنه من أقوى حكام المصارف المركزية في المنطقة، وأنه استطاع المحافظة على استقرار سعر صرف الليرة لأكثر من عقدين، بالرغم من التقلبات الأمنية التي مرّ بها لبنان والأزمات الاقتصادية التي ضربت الاقتصاد العالمي.

سلامة الذي عُيّن في منصبه عام 1993 لمدة ست سنوات، صار من وجوه السياسات العامة الثابتة، فقد تكررت عملية التجديد له، وهو اليوم في منتصف ولايته الخامسة.

ما الذي تغيّر؟
لفترات طويلة، لعب مصرف لبنان أدواراً ساهمت في إعادة تشكيل الاقتصاد اللبناني على صورته المأزومة اليوم، خدماتي المنحى (مصرفي وسياحي)، عن سابق إصرار وتصميم.

ولكن في الأعوام الأخيرة، “لعب المصرف المركزي دور الوسيط الذي يأخذ المال من المصارف ويعطيها للدولة اللبنانية، ما سمح للأخيرة بالاستدانة أكثر فأكثر، وكان يتم صرف أموال المركزي على تسديد الدين العام وتثبيت سعر صرف الليرة. إلا أن المشكلة تفاقمت حين لم يعد بمقدور الدولة ردّ الأموال للمصارف وبالتالي لم يعد بمقدور المصارف أيضاً إعطاء المودعين أموالهم”، يقول لرصيف22 الخبير الاقتصادي باتريك مارديني.

هذه التغيّرات أدّت إلى عدم تمكّن المودعين من سحب أموالهم من المصارف، وتقييد عمليات السحب وفق قرارات استنسابية مختلفة.

ويعتبر مارديني “أن المشكلة بدأت حين قرر المصرف المركزي أن يموّل عجز ميزانية الدولة اللبنانية بزيادة حجم الكتلة النقدية، بالتوازي مع تثبيت سعر الصرف، وهذا أمر مستحيل، فخسرت العملة قيمتها”.

ونفّذ سلامة في السنوات الماضية العديد من “الهندسات المالية” التي أدت إلى منح المصارف مبالغ كبيرة بالليرة اللبنانية مقابل منحه الدولارات التي استقطبتها من الخارج، وذلك بأسعار فائدة مرتفعة جداً، حسبما يقول لرصيف22 الخبير الاقتصادي دان قزي.

خلال هذه الفترة، لعب المصرف المركزي دور الملاك الحارس للمصارف ولملم خسائرها بدل معاقبتها على استثماراتها المتهورة، ما أدى إلى خروج موجة من الانتقادات بين لبنانيين اعتبروا أن ما يقوم به “تنفيعة” مقدمة إلى المصارف التي تراكمت في جعبتها أرباحاً هائلة من جيوب اللبنانيين، على مدار نحو 30 عاماً.

ويضيف قزي: “على الرغم من فعاليته في حماية الليرة، أدى ضبط السيولة خلال العام الماضي إلى إلحاق أضرار كارثية بالاقتصاد الوطني، إذ تسبب بإفلاس شركات وارتفاع معدل البطالة”.

“الحاكم بأمر الليرة”

طوال الأعوام الماضية وحتى أشهر قليلة مضت، كان سلامة متمسكاً بمقولة أن “الليرة بخير” وأن احتياطي البنك المركزي من العملات الأجنبية مرتفع نسبياً، إلى أن أثبت استحقاق تسديد سندات اليوروبوندز، في آذار/ مارس الماضي، أن “الحاكم بأمر الليرة” يخفي حقيقة حجم السيولة من العملات الأجنبية لديه، إذ تخلّف لبنان عن سداد ديونه وكان بين خيارين: إما دفعها وإما تأمين المواد الأساسية للبنانيين، من دواء وقمح ومحروقات، إلخ.

وتفاقم حجم النقمة الشعبية على سلامة حينما حُكي عن تهريب ودائع ضخمة لسياسيين ومصرفيين، بعد بدء الاحتجاجات الشعبية في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، في وقت أقفلت المصارف أبوابها أمام المودعين الصغار، ما يعني أن “كبار القوم” أدركوا أن الأزمة المالية والنقدية ستعصف حتماً بلبنان فحاولوا النفاذ بودائعهم، وجرى ذلك دون أن يحرّك الحاكم ساكناً، بل على العكس، هو متهم بالتواطؤ في تهريب تلك الأموال.

على مدى الأشهر السبعة الماضية، تحكمت المصارف بمصير وحياة معظم اللبنانيين الذين لم يتمكنوا من التصرّف بودائعهم من أجل تأمين مستلزماتهم الحياتية، وفرضت عليهم سحب مبالغ محددة أسبوعياً، على مرأى ومسمع سلامة الذي لم يتدخل لحماية المودعين، رغم أنه صاحب مقولة أن لا خوف على الودائع فهي بخير.

هذا الأسلوب في التعاطي مع الأزمة تكرّر في مسألة احتكار الصرافين للدولار وارتفاع سعره في السوق السوداء، وآخر ما فيه تعاميم المصرف المركزي الأخيرة التي تقضي بوقف دفع مؤسسات تحويل الأموال إلا بالليرة اللبنانية، ما شكّل ضربة قاسية للعملة الوطنية، وساهم في انخفاض قيمتها، وأوصل أسعار السلع إلى أرقام قياسية.

فللمرة الأولى منذ أكثر من عقدين، قفز سعر الدولار خارج هامش التثبيت المُحدد بين 1500 و1515 ليرة، وتراجع سعر صرف الليرة اللبنانية، وفقدت نحو ثلثي قيمتها، متخطية عتبة الـ4200 ليرة مقابل الدولار الواحد في سوق الصرافة، فيما يتوقع خبراء اقتصاديون أن يحلّق الدولار عالياً في الأسابيع القليلة المقبلة، ويحمّل معظمهم سلامة مسؤولية هذا الانهيار، بسبب تعاميمه التي قضت بوقف دفع الحوالات المالية الجديدة إلا بالليرة اللبنانية.

وفي هذا السياق، يقول مارديني إن “مصرف لبنان بالاتفاق مع الحكومة الراهنة، راح يعمل على لبننة الاقتصاد اللبناني، وفق الخطة المطروحة للتداول والتي تنادي بإلغاء دولرة الاقتصاد، ما يعني سحب الدولار من السوق وضخ كميات نقدية بالعملة الوطنية”، وبالتالي “كل تعاميم المركزي الأخيرة تذهب في هذا الاتجاه، ما معناه تقييد قدرة الناس على سحب الدولار، وأدى ذلك مباشرة إلى ارتفاع سعره، في حين كان يُفترض استعادة ثقة الناس بالليرة وعدم فرض اللبننة بالقوة عليهم”.

وكانت قد تشكلت حكومة حسان دياب في كانون الثاني/ يناير 2020 بدعم من قوى قوى 8 آذار، فيما بقيت أحزاب كثيرة غير ممثلة فيها، رغم أن مطالب المحتجين كانت تنادي بتشكيل حكومة اختصاصيين مستقلين.

انقسام حول سلامة
ينقسم الشارع اللبناني حول أداء سلامة، بين مَن يعتبره شخصية استثنائية في العالم المصرفي وبين مَن يحمّله مسؤولية الانهيار المالي والنقدي في لبنان.

أما المحتجون، فإنهم يجدون فيه متواطئاً مع السلطة السياسية والمصارف اللبنانية التي أمعنت في إذلال الناس بإيقافهم على أبوابها رافضة تسليمهم رواتبهم ومدخراتهم وجنى حياتهم، مولّدة شعوراً عارماً بالنقمة على المصارف والمركزي، تجسّد في الهجمات التي شُنّت في اليومين الأخيرين على مقارّها.

ويقول المحتجون إن سبب المطالبة الشعبية بإقالة “الحاكم” أو استقالته، نتجت عن عدم تدخّل المصرف المركزي لمنع المصارف من الخضوع لتعاميم جمعية المصارف التي فرضت إجراءات غير قانونية بحق زبائنها منذ بدء الانتفاضة اللبنانية، وعن عدم تدخّل المركزي لفرض السعر الرسمي لصرف الدولار في السوق، وعدم تحرّكه في سوق الصرافة، وسط معلومات مؤكدة عن حصول تواطؤ بين الصرافين وبين المصارف التي تمدّهم بالدولار.

ويحمّل معظم المحتجين سلامة المسؤولية لأنه جزء من المنظومة السياسية التي بسبب سياساتها حلقت الأسعار عالياً جداً، ما خلق نقمة شعبية عليه.

وعلى المستوى السياسي، ظهرت في الأيام القليلة الماضية مواقف لأحزاب سياسية تنتقد أداء حاكم المصرف المركزي، بعد أن قال رئيس الحكومة حسان دياب إنه لم ينسّق مع الحكومة قبل أن يصدر تعاميمه الأخيرة، وإن هناك غموضاً في أدائه وفجوات في البنك المركزي، ليصار بعدها إلى تكليف ثلاث شركات للتدقيق في حسابات المركزي، كما تم التطرق إلى فرضية إقالة “الحاكم” في جلسة مجلس الوزراء التي انعقدت في 24 نيسان/ أبريل.

وتتهم الأحزاب المعارضة لحكومة حسان دياب، وفي طليعتها تيار المستقبل وحزب التقدمي الاشتراكي والقوات اللبنانية، رئيس الحكومة بأنه يطلق كلاماً انتقاماً وينفّذ انقلاباً مشبوهاً على سلامة، بذريعة مكافحة الفساد ووقف هدر المال العام واسترداد الأموال المنهوبة، وبأنه مدعوم في موقفه من التيار الوطني الحر ورئيس الجمهورية وحزب الله، فيما حذّر رئيس مجلس النواب ورئيس حركة أمل نبيه بري، من خطوة إقالة سلامة متخوفاً من ضياع ودائع الناس في المصارف، ورَفَضها الوزير المحسوب عليه عباس مرتضى محذّراً من أن يستفيق اللبنانيون بين ليلة وضحاها على سعر الدولار بـ15 ألف ليرة.

ولم يقتصر الدفاع عن سلامة على السياسيين وإنما وصل إلى رجال الدين، فقد دخل البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي على خط التجاذبات وانتقد في عظة قداس 26 نيسان/ أبريل، محاكمة سلامة قبل الاستماع إليه، واعترض على أداء دياب.

يُذكر أن مَن يتولى منصب حاكم المصرف المركزي في لبنان لا بد أن يكون مسيحياً مارونياً، في بلد يخضع لنظام سياسي طائفي يقسّم الوظائف على أساس الانتماء الديني.

ومن دار الفتوى، خرج ردّ، في 25 نيسان/ أبريل، على لسان رئيسي الحكومة السابقين تمام سلام وفؤاد السنيورة ووزير الداخلية السابق نهاد المشنوق، بأن كلام دياب هو استكمال لسياسة حزب الله والتيار الوطني الحر اللذين شكلا الحكومة، وهو استهداف للبنان بنظامه السياسي والمالي والاقتصادي وحتى الميثاقي.

هل يمكن إقالة سلامة؟
على الرغم من اعتراف الجميع بأن إقالة حاكم المصرف المركزي بحاجة إلى قرار سياسي بحت يصعب تأمين التوافق عليه في لبنان راهناً، إلا أن القانون اللبناني سمح بذلك.

يوضح المحامي والناشط في التحركات الشعبية جاد طعمة لرصيف22 أن “المادة 19 من قانون النقد والتسليف تجيز إقالة حاكم مصرف لبنان في أربع حالات، هي: العجز الصحي المثبت بتقارير أو الإخلال بواجبات الوظيفة مثل قيامه بالرشوة والاختلاس أو عدم تفرّغه الكلي للمصرف أو الخطأ الفادح في تسيير الأعمال”.

ويضيف طعمة: “في الحالتين الأخيرتين، يجب أن تُبنى الإقالة على تحقيقات وتقارير من جهات مختصة تثبت حصول المخالفات، ولا بد من مواجهة الحاكم بهذه المآخذ وإتاحة المجال أمامه لإبداء دفاعه بشأنها قبل اتخاذ التدبير بإقالته، وإلا كان معرّضاً للإبطال لعدم مراعاة الشروط القانونية”.

ويعتبر أن أكثر سيناريو متاح راهناً، وفيه إمكانية تحرك أكبر لمجلس الوزراء، هو البند 4 من المادة 19 المتعلق بالخطأ الفادح في تسيير الأعمال، لكن يبقى من الواجب مراعاة الشكليات والشروط القانونية من تحقيقات وتقارير تثبت ذلك، ومراعاة مبدأي الوجاهية وحق الدفاع.

إضغط هنا لقراءة المقال على موقع Raseef 22 

إضغط هنا لقراءة المقال على موقع مساكتنيش